هذا صارف خطير، صُرفت به أمم، وأشخاص، وصُرف به مشركو قريش، إذ دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعم وخص، حين صعد على جبل، ثم نادى:» يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان «، فاجتمعوا، وكان من لم يستطع أن يخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل بعض أقاربه ليسمع ما يقول محمد، فلما اجتمعوا قال:» أرأيتم إن أخبرتكم أن جيشًا مصبحكم، أكنتم مصدقي؟ «، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، يعرفون أنه الصادق الأمين، قال:» إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد «، فقال أبو لهب: تبًا لك، ألهذا جمعتنا، فأنزل الله عز وجل، قال تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1] {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد: 2 - 5] .وأبو طالب والله ما صرفه عن هذا الحق، وعن الإسلام إلا الكبر والعصبية لقومه، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين احتضاره حاضرًا، وقال:» يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله «، وهو لا يزال يردد عليه المقالة، ويأزه أبو جهل بن هشام، يأزه ويدفع به إلى العصبية وإلى الكبر، والتعالي ويقول: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ولا يزال النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليه هذا الطلب، وأبو جهل يأزه بالعصبية، وبالكبر حتى كان آخر أمر أبي طالب أن قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله.
وقال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله، ما أغنيت عن عمك، فقد كان يحوطك ويغضب لك؟ كم دافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك منعه الكبر عن الحق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:» هو في ضحضاح من نار، له جمرة يغلي منها دماغه «، لأنه تكبر على الله الحق، وصُرف عن الحق بسبب كبره، قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:146] .