إن الإنسان إذا حلت بساحته رزية، وابتلي ببلية، فإن من عادة الناس أن يسلوا هذا المصاب، ويواسوه، بل قد يمكثون عنده ويجالسونه وقتًا يطول أو يقصر، ومما اعتاده الناس في هذه الأزمان الجلوس للتعزية، سواءً من أهل الميت لاستقبال من يأتي من الناس للتعزية، أو ممن يجالس أهل العزاء لمواساتهم في مصابهم وغير ذلك.
ومعلومٌ أن التعزية عبادة من العبادات، ويحتاج المسلم في أدائها إلى اعتماد دليل شرعي، وإلا صار هذا العمل غير مشروع.
ومن المسائل التي تحتاج إلى إيضاح وبيان مسألة الجلوس للتعزية، من أهل الميت أو من غيرهم، وهذه المسألة هي أهم مسألة في باب التعزية، بل هي أم الباب، ولبابه، وقد كثر الخلاف فيها بين أهل العلم وغيرهم، ولأجل هذا الخلاف سأبين في هذا المبحث ـ مستعينًا بالله وحده ـ حكم هذه المسألة، وذلك بالدليل من الكتاب والسنة، وفقه علماء الأمة، فإن أصبت فمن لطف الله وعونه، وإن أخطأت فمنبت الخطأ ومعدنه؛ فأقول وبالله التوفيق:
اختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في مسألة الجلوس للتعزية على قولين:
القول الأول:
الجلوس للتعزية مباح (1) ليس فيه بأس إذا خلا المجلس من المنكرات والبدع، ومن تجديد الحزن، ومن تكلفة المؤنة، وطول المكث عند أهل العزاء.
وإليك ما قاله العلماء في ذلك:
1ـ نُقل عن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ الرخصة في ذلك، فقد نَقل ابن مفلح (ت 884هـ) ، والمرداوي (ت885هـ) ـ رحمهما الله تعالى ـ عنه (الرخصة لأهل الميت، نقله حنبل واختاره المجد؛ وورد عنه أيضًا الرخصة لأهل الميت ولغيرهم، وقال بكراهته إذا كان فيه تهيج للحزن) (2) .
(1) هو ما خيَّر الشارع المكلف بين فعله وتركه. ( تيسير علم أصول الفقه ص:46)
(2) الفروع (2/230) ، المبدع (2/286) ، والإنصاف (2/396) .