ومعنى الصُّبْحَة التي قال عنها الإمام الطرطوشي: ( أنها بدعة منكرة لم ينقل فيها شيء) .
هي: (تبكيرهم إلى قبر ميِّتهم الذي دفنوه بالأمس، هم وأقاربهم ومعارفهم، ومن فرش البسط وغيرها في التربة لمن يأتي إلى الصُّبْحَة وغيرها) (1) .
8-وأما قول الإمام ابن القيم (ت 751هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ: (وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - تعزيةُ أهلِ الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء، و يقرأ له القرآن، لا عند قبره و لا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة) (2) .
فأقول: كلام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ واضح فيمن اجتمع للتعزية وجمع مع الجلوس أمرًا غير مشروع، بل هو من البدع المحدثة وهو الاجتماع لقراءة القرآن الكريم للميت، فجيء بعبادة في موضع لم يرد عن الشارع الحكيم أمرًا بفعلها، ومعلوم أن الأصل في العبادات الحضر والمنع حتى يرد الدليل من الشارع (3) ، ولا دليل هنا، أما من حمل كلام ابن القيم على الجلوس ذاته فلا يسلم له.
(1) أحكام الجنائز للألباني (ص:322-323) ، وكتاب إصلاح المساجد عن البدع والعوائد للإمام القاسمي (ص:270-271) .
(2) زاد المعاد (1/527) .
(3) وهذه القاعدة متقررة عند علمائنا ـ رحمهم الله تعالى ـ قال الشاطبي في الاعتصام (1/45) : ( وهذا أصل في أن الأصل في العبادات المنع والحظر) ؛ وقد قررها الإمام السعدي في منظومته بقوله:
وليس مشروعًا من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور
قال الشيخ السعدي:"وهذان الأصلان ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في كتبه وذكر أن الأصل الذي بنى عليه الإمام أحمد مذهبه: أن العادات الأصل فيها الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما ورد تحريمه، وأن الأصل في العبادات أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله) رسالة في القواعد الفقهية ( ص:31) ."