4-وأما قول النووي (ت676هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ (1) : ( قال الشافعي وأصحابنا ـ رحمهم الله تعالى ـ يكرهون الجلوس للتعزية، قالوا: يعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملي، ونقله عن نص الشافعي - رضي الله عنه -، وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حرامًا من قبائح المحرمات فإنه محدث، وثبت في الحديث الصحيح:"إن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة") .
فأقول: يظهر من نقل النووي ـ رحمه الله تعالى ـ أنه يحرر قول المذهب أما رأيه هو فقد بينه بقوله: ( وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر) ، وقوله بالكراهة لعل سببه هو ما حصل في عصره من تجاوزات الناس في الجلوس من الإتيان بالمنكرات والبدع وهذا ظاهر جلي من قوله ـ رحمه الله ـ: (كما هو الغالب منها في العادة) ، أي في عادة الناس في عصر كما يفهم من السياق.
5-وأما قول الإمام ابن قدامة (ت620هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ: ( قال أبو الخطاب: يكره الجلوس للتعزية، وقال ابن عقيل: يكره الاجتماع بعد خروج الروح لأن فيه تهييجًا للحزن، وقال أحمد: أكره التعزية عند القبر إلا لمن لم يعزِ، فيعزى إذا دفن الميت، أو قبل أن يدفن) (2) .
فالجواب عنه: أن ما نقله ابن قدامة ـ رحمه الله تعالى ـ فهو يدور حول قضية تهييج الأحزان، وتذكيرًا بالمصاب، وقد جليت ذلك عند الإجابة على الاستدلال بأن الجلوس للتعزية فيه تجدد الحزن، وإدامته (3) .
(1) المصدر السابق.
(2) المغني (2 /342) .
(3) ص:51-53).