فالجواب عنه: أنه يظهر من كلام الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ أنه لم يقل بتحريمه، ولا حتى منعه، وسبب خوفه منه هو ما بينه بقوله: (أخشى أن يكون تعظيمًا للميت أو قال للموت) فالذي لم يعجبه في الجلوس هي العلة التي ذكرها، لا الجلوس نفسه؛ ولأنه ـ رحمه الله تعالى ـ رخص في الجلوس في غير موضع كما ذكره عنه الخلال وغيره) (1) .
3-وأما قول الإمام الشيرازي ـ رحمه الله تعالى ـ في المهذب في ( باب: التعزية، والبكاء على الميت) : ( فصل في الجلُوس للتعزية: ويكره الجلوس للتعزية؛ لان ذلك محدث، والمحدث بدعة) (2) .
فالجواب عنه: بأن كلامه ـ رحمه الله تعالى ـ مردود بحديث أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ في الصحيحين المتقدم وفيه: (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء) (3) ، ومعلوم أن الناس عند اجتماعهم لا يقصدون بذلك عبادة يتقربون بها إلى الله تعالى لا بد من الإتيان بها، وإذا لم يأتي بها الشخص فإنه آثم.
وأما قوله محدث، والمحدث بدعة، فكيف يكون هذا العمل بدعة وقد ورد عن السلف فعله، كما في حديث أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنهاـ، لكن لعل الإمام الشيرازي يريد بقوله محدث إذا أضيف إليه أمر مبتدع، كما فهم ذلك الإمام النووي وذكره بقوله (4) : ( وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حرامًا من قبائح المحرمات فإنه محدث، وثبت في الحديث الصحيح:"إن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة") .
(1) الإنصاف (2/396) .
(2) من المجموع شرح المهذب (5/275) .
(3) سبق تخريجه (ص:14) .
(4) الأذكار (ص:160) .