الصفحة 41 من 58

قال الإمام القرطبي عند قوله - عز وجل: { إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ } : ( فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية، وعملوا بها؛ فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية) (1) .

وقال أيضًا: ( وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى) (2) .

قال الإمام ابن الجوزي (ت597هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ: ( وقد نبهت الآية عن التحذير من مجالسة العصاة؛ قال إبراهيم النخعي: إن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضى الله بها، فتصيبه الرحمة، فتعم من حوله؛ وإن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، فيعم من حوله) (3) .

قال الإمام النووي (ت 676هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ عند حديثه عن الجلوس للتعزية، وبعد نقله لرأي مذهب الشافعية القائلين بالكراهة: ( وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حرامًا من قبائح المحرمات فإنه محدث، وثبت في الحديث الصحيح:"إن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة") (4) .

فيحرم بعد هذا البيان الجلوس في أي مجلس يُعصى الله تعالى فيه، سواءً كان مجلس تعزية أو غيره، ويجب تذكير من فيه بالله - عز وجل -، وتخويفهم به، فإن أبوا فلا يجالسون، والتعامل مع أهل البدع أشد من التعامل مع أهل المعاصي، لأن أهل البدع أخطر على المسلم من أهل المعاصي.

قال الإمام أبو محمد البربهاري: (وإذا رأيت الرجل جالسًا مع رجل من أهل الأهواء فحذره وعرفه، فإن جلس معه بعد ما علم فاتقه، فإنّه صاحب هوى) (5) .

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/268) .

(2) الجامع لأحكام القرآن (5/268) .

(3) زاد المسير (2/228-229) .

(4) الأذكار (ص:160) .

(5) شرح السنة للبربهاري (ص: 44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت