فالجواب عنه ما يلي: ليُعلم أن التعزية ما شرعت إلا لمواساة المصاب، وإذهاب الحزن عنه، وتسليته مما هو فيه، وقد سبق الحديث في مبحث (مشروعية التعزية وفضلها والحكمة منها) ما يكفي ويشفي، ويبين الحكمة من التعزية، فإذا كان غير ذلك فلا أحد يقول بجواز هذا الفعل، لأن الشريعة جاءت بالائتلاف والاعتصام والمحبة (1) ، وهذه من أعظم ما امتن الله به على عباده قال - عز وجل: { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63 } (2) ، ومن أعظم صفات أهل الإيمان الحب والموالاة للمؤمنين، والبغض والبراءة من الكافرين، ولا يكون الحب والموالاة إلا بالائتلاف وكون أهل الإسلام جسدًا واحدًا، يرأف بعضهم ببعض، ويرحم بعضهم بعضًا، قال - عز وجل: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } (3) .
فإن من أساسات الرحمة والمحبة بين المسلمين سرور تدخله على قلب أخيك المسلم، بل هو من أعظم القرب التي يتقرب بها العبد إلى الله ـ تعالى ـ في تعامله مع المسلمين؛ لا إدخال الحزن والهم عليه، فإذا كان الجلوس لتجديد الحزن، فلا يقول أحد بجوازه، لعدم موافقته لأصول هذه الشريعة المحمدية.
قال الشيخ محمد بن محمد المنبجي الحنبلي (ت785هـ) : ( إن كان الاجتماع فيه موعظة للمعزي بالصبر والرضا وحصل له من الهيئة الاجتماعية تسلية بتذاكرهم آيات الصبر، وأحاديث الصبر والرضا فلا بأس بالاجتماع على هذه الصفة، فإن التعزية سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -..) (4) .
(1) كما بينته في المقدمة (ص:7-8) .
(2) سورة الأنفال آية:63.
(3) سورة الفتح آية:29.
(4) تسلية أهل المصائب (ص:167-168) .