وقد يقول قائل ويحتج محتج بأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لم ينقل عنهم أنهم اجتمعوا بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فالجواب عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات كانت مصيبته على جميع المسلمين، وفي كل بيت، فكل بيت له مكان عزاء - صلى الله عليه وسلم -، وكل شخص مصاب ويستحق العزاء، ولهذا لم يجتمعوا.
وهذا ظاهر فعندما يموت عظيم من عظماء هذه الأمة، فإن مصابه في كل بيت، فهؤلاء العظماء والعلماء والمجاهدون يموتون فتكون مصيبتهم في كل بيت، ويعزي المسلمون بعضهم بعضًا على ذلك الفقيد.
أما الإنسان العادي فعزاؤه يدخل بيت أهله فقط، لأنهم من أصيب به فقط.
ولا أدل على ذلك من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: ( لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، ولما نفضنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا) (1) .
فهذا أنس بن مالك - رضي الله عنه - يصف حال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من شدة حزنهم وفقدهم للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فكل البيوت لفقد النبي - صلى الله عليه وسلم - مكان للعزاء.
مناقشة دليلهم الرابع:
ما استدلوا به من أن الاجتماع للتعزية فيه تجديد للحزن، وإدامته، وهذا لا يجوز لأنه يخالف الحكمة من التعزية، وهي المواساة والتسلية، لا التذكير بالمصيبة، وتجديد الحزن.
(1) أخرجه الدارمي في المقدمة: باب في وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - (ص:56برقم89) ، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز: باب ذكر وفاته ودفنه - صلى الله عليه وسلم - (1/522برقم1631) ، وأخرجه الترمذي في كتاب المناقب: باب مناقب النبي - صلى الله عليه وسلم - واللفظ له وقال:حديث غريب صحيح (5/588برقم3618) ، وصححه الألباني كما في صحيح ابن ماجه (2/54برقم1332) ، وسنن الترمذي (ص:823 برقم3618) .