الصفحة 37 من 58

إذن فعلى قول من يقول بكراهة الجلوس، أو عدم مشروعيته، إذا أراد أن يعزي أهل المصاب، فما عليه إلا أن يفرغ من وقته أيامًا، ويترك بعض أعماله، لكي يقابل هذا في عمله، وهذا في سوقه، وهذا في متجره، وهذا في مسجده. وهذا لا يمكن، ولا يتيسر، وفيه مشقة على العبد، والشريعة جاءت لنفي الحرج، ورفع المشقة، واليسر والسهولة، قال الله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } (1) ، وقال - عز وجل: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } (2) .

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي (ت1376هـ) في منظومته (3) :

ومن قواعد الشريعة التيسيرُ في كلِّ أمرٍ نابه تعسيرُ

قال ـ رحمه الله تعالى ـ في شرحه لهذا البيت: (ومن التخفيفات أيضًا: أعذار الجمعة والجماعة، وتعجيل الزكاة، والتخفيفات في العبادات، والمعاملات، والمناكحات، والجنايات) (4) .

فلا حلَّ هنا إلا أن يجتمع أهل المصاب ليعزيهم أحبابهم، والناس الراغبون في الأجر، ومواساة المصاب، ثم ينصرفون إلى شأنهم.

وقد سبق نقل الجواز في ذلك من كلام العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ.

د- عدم نقل اجتماعهم إلينا لا يدل على عدم حصوله، بل يحتمل حصوله ولم ينقل ـ هذا إذا سلمنا أنه لم يرد عن السلف مع أنه وارد ـ.

هـ- ما عُرف عن مواساة السلف لبعضهم، وتكافلهم ومواقفهم المشرفة، يلزم منه وقوفهم بجانب أهل المتوفى في أحرج المواقف لتصبيره، ومواساته، فهذا خلقهم الكريم.

ولا أدل على ذلك من تزاحمهم على بيت عمر - رضي الله عنه - بعد إصابته، وقبل موته، وبعد موته حتى دفنه - رضي الله عنه - وتعزية ابنه وأم المؤمنين حفصة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ؛ أفلا يقبلون لتسلية أخيهم المصاب؟! فهذا واقعهم ولو لم ينقل إلينا.

(1) سورة البقرة آية:185.

(2) سورة الحج آية: 78.

(3) رسالة في القواعد الفقهية (ص: 24) .

(4) رسالة في القواعد الفقهية (ص: 25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت