أما الجلوس للتعزية فقط فهذا لا يُعلم أن أحدًا من السلف قال: إنه من النياحة وحده، أو أنه نهي عنه، بل حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ حديث التلبينة ـ الذي استدل به أصحاب القول الأول يرده.
وهذا الأثر ـ على فرض صحته ـ معارض لما جاء عن عائشة ـ رضي الله عنهاـ؛ فإذا كان الصحابة مختلفين في هذا، فالأمر في ذلك لا يصل إلى حد البدعة والتحريم، ثم اختلاف الصحابة يوجب الرجوع إلى الكتاب والسنة.
مناقشة دليلهم الثاني: الحديث معلول، اختلف فيه، فقد روي عن أبي هريرة، ووقف على ابن أبي ذئب، وروي عن أبي سعيد الخدري، كما ذكر ذلك المزي في تهذيب الكمال (1) .
أما ما قاله الشيخ أحمد البنا عند كلام أبي هريرة - رضي الله عنه - حينما قال: ( لا تضربوا عليّ فُسطاطًا، و لا تتبعوني بمجمر..) فما فسره به الشيخ أحمد البنا فغير صحيح، والصحيح في معناها، أن بعض الناس كان يضرب على قبره فسطاطًا حتى يتم دفنه ثم ينزع، وهذا الفسطاط يقي من شدة حر الشمس، وقد فعله بعض السلف وكرهه بعضهم، ولكن لم يُرِدْ أبو هريرة - رضي الله عنه - هذا الفسطاط الذي يوضع على القبر، وإن كان الأقرب جوازه للحاجة لاتقاء شدة الحر.
وقد بوب البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ في صحيحه: باب الجريد على القبر، ثم أورد أثرًا عن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه رأى فسطاطًا على قبر عبدالرحمن فقال: (انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله) (2) .
فذكر البخاري له في هذا الباب مما يدل عليه أنه عند القبر، وليس في أماكن التعزية، ولهذا المعنى أشار الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في الفتح (3) .
مناقشة دليلهم الثالث: ما استدلوا به من استقراء حال السلف، بأنهم لم يكونوا يجتمعون للعزاء، فهذا الاستقراء فيما يظهر مردود من وجوه:
(1) تهذيب الكمال (4/479رقم الترجمة3958) .
(2) أخرجه البخاري معلقًا (الفتح3/587) .
(3) فتح الباري (3/588) .