فلم يضف صلى الله عليه وسلم هذا الأذان إلى الفجر وقال: (( يؤذِّن بليل ) ).
واعترضوا على الاستدلال بالمعقول في القول الأول، بأن ما ذكر من مشروعية التثويب عند الأذان الأول لإيقاظ النائم غير مسلم، لأن التثويب تذكير بالصلاة، ودعوة إليها حتى لا تترك، فناسب الأذان الثاني كي يتحفّز النائم ويستيقظ من نومه ويدرك صلاته قبل فواتها، ألا ترى أن بلالا رضي الله عنه: (( لمّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائمّ، فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم فأقرَّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك ) ).
و (أنَّ المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده نائما فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح) .
الراجح التثويب في الأذان الثاني: بعد عرضنا للأقوال والأدلة، لا يسعنا إلا ترجيح القول بأن التثويب مشروع في الأذان الثاني عند طلوع الفجر الصادق، لا سيما وأنه العمل الذي جرى بالحرمين الشريفين زمن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
قال الباجي رحمه الله مبينا عمدة الإمام مالك رحمه الله في مسائل الأذان:"والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، ما أشار إليه في هذا الكتاب وصرح به في غيره، أن الأذان بالمدينة أمر متصل، يؤتى به في كل يوم وليلة مرارا جمة بحضرة الجمهور العظيم من الصحابة، والتابعين الذين أدركهم مالك رحمه الله وعاصرهم، وهم عدد كثير لا يجوز على مثلهم التواطؤ، ولا يصح على جميعهم النسيان والسهو عما ذكر بالأمس من الأذان ولا يجوز عليهم ترك الإنكار على من أراد تبديله أو تغييره، كما لا يجوز ولا يصح على جميعهم نسيان يومهم الذي هم فيه، ولا شهرهم الذي يؤرخون به، واهتمامهم بأمر الأذان ومثابرتهم عل مراعاته أكثر من اهتمامهم بذكر اليوم والشهر ومراعاتهم له، فإذا رأينا الجماعة الذين شهدوا بالأمس الأذان قد سمعوه اليوم ولم يكن لأحد منهم إنكار لشيء منه، علم أنه هو الأذان الذي كان بالأمس، ولو جاز أن يكون هذا حكمه من التكرار والانتشار، ويصح من ذلك عليه التبديل والتغيير، ويذهب ذلك على جميعهم،"