الوجهُ السادسُ: لقائلٍ أن يقولَ: هذا الحديثُ مُعارِضٌ لقولِه عليهِ السلامُ في الحديثِ المتقدِّمِ: (( لنْ تزالَ هذهِ الأُمَّةُ قائمةً على أَمرِ اللهِ لا يَضرُّهُم مَن خالفَهم حتى يأتِيَ أمرُ اللهِ ) ). وأَخبرَ هُنا: بأنَّ العلمَ يُقبَضُ، وإذا قُبِضَ العلمُ بَقِيَ الجهلُ فيقعُ الضلالُ كما نصَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليهِ.
والجوابُ: أنَّه لا تعارضَ بينهما؛ لأنَّ المرادَ بالطائفةِ المذكورةِ في الحديثِ المتقدِّمِ أنَّها تبقى مُوفيةً بالحقِّ الذي يَلزمُها لا تُخِلُّ منهُ بشيءٍ، وأمَّا العلمُ الذي هو النُّورُ فليسَ هو عندهم كما كانَ عندَ مَن تقدَّمَهم، يؤيِّدُ هذا المعنى قولُه عليهِ السلامُ: (( أَنتُمْ في زَمانٍ مَن تركَ عُشْرَ مَا أُمِرَ بهِ هَلَكَ، ويَأتِي زَمَانٌ مَن فعلَ عُشْرَ مَا أُمِرَ بهِ نَجَا ) )يُريدُ في أعمالِ البرِّ مِن المَندوباتِ عدا الفرائضِ؛ لأنَّ الفرضَ في أوَّل الزمانِ وآخرِه مطلوبٌ على حدٍّ سواء، وإنما المُعتبرُ هنا الذي عليه وقعَ النصُّ (ما عدا الفرضِ) مِن أعمالِ البرِّ؛ لأن الدِّينَ مطلوبٌ بفرضِه ونَدبِه وآدَابِه ونَفْلِه.
وكان الصدرُ الأولُ رضيَ اللهُ عنهم يُحافظونَ على تَوفِيَةِ ذلكَ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يطلبُ ذلكَ منهم ويُحَرِّضُهم عليه، مثلُ ما رُوِيَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنَّه هَمَّ أن يُحرِّقَ بُيوتَ قَومٍ كانوا لا يَشهدونَ الجَماعةَ، وشُهودُ الجماعةِ على الواحدِ مَندوبٌ، وكذلك ما رُوِيَ عنِ الصحابةِ رضي الله عنهم أنهم كانوا يَطلبونَ مِن الناسِ تَسْويةَ الصُّفوفِ، وتَسويةُ الصفوفِ في الصلاةِ مِن المَندوبِ، فكانوا رضيَ الله عنهم يَحُضُّونَ على ذلكَ أكثرَ الحَضِّ، ويَحرِصونَ عليه أكثرَ الحِرْصِ؛ لِئلا يقعَ لهم خَللٌ في شيءٍ مِن ذلكَ فيقَعون في تركِ ما حُدَّ لهم، وأما اليومُ فذلكَ لا يُتَصوَّرُ لِمَا حَدَثَ في الأعمالِ مِن البدعِ والمُنكراتِ، وقلَّ أن يتخلَّصَ العُشْرُ إلا بالجهدِ الكبيرِ، ونعني بالخَلاصِ هنا أن يقعَ العملُ على نحوِ ما حُدَّ وشُرِعَ دونَ بِدعةٍ ولا شكٍّ، ومثالُ ذلكَ: شُهودُ الجَنازةِ أو الصلاةُ عليها أو حُضورُ العرسِ وما أشبهَ