ذهابِ العلمِ وأهلِه والدِّين ِوضَعفِه، فإِنَّا لله وإنا إليه راجعونَ، فمُنذُ انتقلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى رحمةِ ربِّه أخذَ العلمُ في النقصِ شيئًا بعدَ شيءٍ إلى هَلُمَّ جَرًا إلى أنْ يُرفعَ القرآنُ، وقدْ نصَّ بعضُ الصحابةِ على هذا المعنى وبيَّنَه، حيثُ قالَ: لم ننفِضْ أيدِينا مِن الترابِ حِينَ دفَنَّا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إلا ووجدنا النقصَ في قُلوبِنا، لكنْ كانَ النقصُ في ذلكَ الوقتِ لا يعرِفُه إلا أهلُ القلوبِ، وكذلكَ في القَرنِ الذي بعدَه، وكذلكَ في القرنِ الثالثِ الذينَ شهَدَ لهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بأنهم خيرُ القُرونِ، فالعلمُ إذ ذاكَ يَنْقُصُ وهو في الظاهرِ متوافرٌ متزايدٌ لكَثرةِ العلماءِ وكَثرةِ الكُتبِ.
والمعنى الخاصُّ الذي أشرنا إليه لا يَعرِفُه إلا مَن أشرنا إليه؛ وهم أهلُ القلوبِ، ولذلكَ قالَ أُسامةُ بن زَيدٍ رضي الله عنهُ: (( إني لأَسمعُ منكُم في اليومِ أشياءَ مِرارًا لا تُبالونَ بها، كنَّا نَعُدُّها في زمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِن المُوبِقاتِ ) )، ثمَّ بعدَ القرنِ الثالثِ رجعَ النقصُ يَظهرُ لسائرِ الناسِ ويَستبينُ، وهاهو اليومَ أَظهرُ مِنَ الشمسِ في الظَهيرةِ ليسَ دونَها سحابٌ.