الوجهُ الخامسُ: إذا قُبِضَ العالِمُ ثم أُقِيمَ آخرُ مقامَه هل يكونُ مثلَه فيَجبُرُ تلكَ الخَلَّةَ التي وقعتْ في الإسلامِ أم لا؟
ظاهرُ الحديثِ يفيدُ أنْ: لا، ويعارضُه قولُه عليهِ السلامُ: (( إذا مَاتَ العالِمُ ثُلِمَتْ في الإسلامِ ثُلْمَةٌ لا يَسُدُّها إلا عالِمٌ آخرُ ) )، فظاهرُ هذا معارضٌ لِمَا نحنُ بسبيلِهِ، وفي الحقيقةِ ليسَ بينهما تعارضٌ؛ لأنه إذا ماتَ الأوَّل وقامَ الثاني فَسَدَّ تلكَ الثُّلْمَةَ، فهوَ معلومٌ بالضَّرورةِ أنهُ ليسَ كالأولِ على حدٍّ سَواء؛ لأنَّ الثوبَ المُرقَّعَ ليسَ كالصحيحِ، وكلاهما يسترُ، وإنْ كانَ لا يحس في المُرقَّعِ وهذا موجودٌ حِسًّا، لا سيما إذا قلنا: بأنَّ العلمَ كما قدَّمناهُ عن أئمةِ الدِّين نورٌ يضعُه اللهُ في القلوبِ، فنقصُهُ معلومٌ بالضرورةِ وموجودٌ حِسًّا لأنَّ نورَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم ليسَ كنورِ التابعينِ، ونورُ التابعينَ ليس كنورِ تابعي التابعينَ، ثمَّ كذلكَ جيلًا بعد جيلٍ ففي كلِّ جيلٍ يَرتفِعُ منهُ شيءٌ ويَقِلُّ.
ولأجلِ هذا المعنى كانَ العِلْمُ أولًا في صدورِ الرجالِ، ثم انتقلَ إلى الأوراقِ والكتبِ، وبقيت مفاتِيحُهُ في صدورِ الرجالِ، ثمَّ الآنَ كثرتِ الكتبُ والأَسفارُ وقلَّتِ المفاتيحُ، وإنْ وَجدنا مِفتاحًا فقَلَّ ما يكونُ مُستقيمًا إلا النادرُ القليلُ، ثم رجعتِ العلومُ الشرعيةُ مثلَ علمِ القرآنِ والحديثِ كقَدَحِ الراكِبِ، وما بَقِيَ النظرُ إلَّا في بعضِ علومِ الفروعِ، وانصرفتِ الهِمَمُ إلى علمِ الجَدَلِ والمنطِقِ وعلمِ النجومِ وعلم الطَبائعيِّينَ وما أشبهَ ذلكَ، فارتكبوا النهيَ واستقرَّتْ سُنَّتُهم الذَميمَةُ عليهِ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( لا تَجعلونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ ) ). وهؤلاء قد اتَّخذوا القرآنَ والحديثَ كذلكَ، ثم يَزيدونَ الكلامَ في دينِ اللهِ بتلكَ العلومِ الرَّدِيئَةِ، فمَن كان باكيًا فليَبْكِ على