الرَّابع: أنَّه لَمَّا أن أُرِيد مِن العبيد حقيقة الإخلاص والصدق عند قولهم {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] جعل هذا الاسم الجليل أثر هذا الاسم العظيم لكي يحصل منهم عند النطق بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] حقيقة الإخلاص، لأنَّه يأتي أثر الإرهاب، والإرهاب مؤثر للخوف، والخوف موجب للصدق والإخلاص، ولو كان أثر الرحمة لكان كثير مِن النَّاس لا يحصل منهم الإخلاص في هذا الموضع، لأنَّ الرحمة توجب الرجاء والطمأنينة وقد يكون معها الغفلة للقليل الحضور، لأنَّه لا يثبت عند الرحمة والنعمة إلا الفاذُّ، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ابتُلينا بالضَّرَّاءِ فصَبَرنا، وابتُلينا بالسَّرَّاءِ فلم نصبر، لأنَّ الغالب مِن النَّاس إذا ابتلوا بالضرَّاء رجعوا إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص واللجأ والضراعة، فإن ابتلوا بالسَّرَّاءِ قلَّ الواقف منهم هناك على ما أُريد منه مِن صدق اللجأ والإخلاص، ومَن وقف في ذلك المقام فهو الصِّدِّيق الذي لا شكَّ فيه.
الخامس: أنَّه لَمَّا أن كان الاسمان الجليلان أحدهما يقتضي الإجابة إذا سُئِلَ، والآخر يقتضي الغضب إذا لم يُسْأل، وعلم عزَّ وجلَّ أنَّ في عبيده مِن الضعف بحيث أن تقع منهم الغفلة غالبًا في هذا الموطن إمَّا لخوفٍ أو لرغبة، أو لرجاء، أو لتسليم، أو لغفلة، جعل عزَّ وجلَّ الدُّعاء متلوًا، وأقامه مقام الدُّعاء الحقيقي ثم أجاب عزَّ وجلَّ عليه، فقال: (( وَلِعَبدي ما سَأَل ) )لئلا يفوتهم هذا الخير العظيم ولئلا يتناولهم الغضب لعدم سؤالهم، فانظر إلى هذا اللطف العظيم والنعمة الشاملة.