ثمَّ نرجع الآن لبيان ما اشترطنا أن نذكره أخيرًا مِن بيان الحكمة في اختصاص الاسمين الجليلين مِن بين سائر الأسماء الجليلة في هذه السورة في هذا الموضع المخصوص بهما وهما (الرَّحمن الرحيم) فنقول والله المستعان: اختصاصهما بذلك لوجوه:
الأَوَّل: أنَّ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] إذا فُهِمَ على ما قدمناه يقتضي الهيبة والإعظام، و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] يقتضي الخوف والإرهاب، و {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] أحد الاسمين منهما يقتضي الإجابة عند السؤال، والآخر يقتضي الغضب إن ترك السؤال على ما ذكره العلماء، ففصَّل الله عزَّ وجلَّ بهذين الاسمين الجليلين اللذين هما أبلغ شيء في الرجاء بين الاسمين الجليلين المتضمنين للهيبة والإعظام والخوف والإرهاب، رفقًا منه عزَّ وجلَّ بعبيده ولطفًا بهم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
لأنَّه لو كان ذانك الاسمان الجليلان اللذان للهيبة والإعظام متصلين بذكر الاسمين اللذين للخوف والإرهاب لكان للضعيف الحاضر سببًا لأحد أمرين متلَفَين: إمَّا أن يتفطَّر كبِده ِمن شدة الخوف، وقد رُوِي أنَّ كثيرًا مِن الفضلاء ماتوا مِن عظيم الخوف الذي توالى عليهم، وإمَّا أن يسبق للخاطر شيء مِن القنط لعظيم أمر ما يدلُّ عليه معنى تلك الاسمين، وذلك مِن أكبر الخطر لقوله عزَّ وجلَّ إخبارًا على لسان نبيه عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لَوْ كُنْتُ مُعَجِّلًا عُقُوبَةً لَعَجَّلتُها عَلَى القَانِطِيْن مِنْ رَحْمَتي ) ).
الوجه الثَّاني: أنَّ المقصود مِن العبيد الخوف والرجاء معًا لقَوْله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمنِ ورجَاؤُهُ تساويا ) )فاسمان يوجبان الخوف واسمان يوجبان الرجاء، فيحصل بمتضمنهما حقيقة ما أريد مِن كمال الإيمان وهو تساوي الخوف والرجاء على ما تقدَّم، فكان الابتداء أوَّلًا بالتعظيم والإجلال لحقِّ الرُّبوبية الذي يقتضي التقديم، ثم عقَّب بالرحمن الذي يقتضي الرجاء، ثمَّ بالرحيم مبالغة في قوة الرجاء لطفًا بالعبد لاستقبال ما يَرِد عليه مِن الخوف لمقتضى الاسم الآتي بعد مع التذكار بيوم الدين.
الثَّالث: أنَّ حقيقة وصول الرحمة للطالب إنَّما يتحقق وصولها إليه بقوة مِن الراحم حتَّى يمنعه أذى ما قبلها وأذى ما بعدها، فكان توسُّط الاسمين الجليلين بين الاسمين العظيمين تحقيقًا في إيصال الرحمة لطالبها، لأنَّ ربَّ العالمين لعظيم قدرته يمنعه مِن كل ضرر في هذا العالم، ومالك يوم الدين لعظيم سلطانه يمنعه كل ما في ذلك اليوم مِن الأذى، فتحقَّق بذلك منع الأذى أوَّلًا وآخرًا يشهد لذلك قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء: 217]