فإن قال قائل: لو كان الأمر في الزيادة على الإسباغ إعظامًا للشعائر لكانت الزِّيادة على الثلاث أَوْلى، إذ إنَّه بحسب الزِّيادة كان تعظيم الشعائر أكثر، قيل له: الأمر كذلك لكن الله عزَّ وجلَّ بالمؤمنين رحيم فمِن رحمته عزَّ وجلَّ بهم أن منعَهم الزِّيادة على الثلاث تخفيفًا عليهم ولطفًا بهم: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
الثالث والعشرون: فيه دليل على فضيلة بئر زمزم على غيره
مِن المياه، إذ إنَّه اختص بأنْ غسل منه هذا المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع.
الرَّابع والعشرون: لقائل أن يقول: لِمَ لمْ يغسل بماء الجنَّة الذي هو أطيب وأَبْرَك؟
والجواب عنه: أنَّه لو غسل بماء الجنَّة دون استقراره بالأرض لم يبق لأمته أثر بركةٍ، فلمَّا غسل بماء زمزم وهو ممَّا استقر مِن ماء السماء بالأرض على ما قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18] ، فقال: كلُّ ماء في الأرض إنَّما هو ممَّا نزل مِن السماء مِن الماء، وقد جاء في الأثر: (( أنَّ مَا مِنْ مَطَرٍ يَنْزِلُ إِلَّا وفِيْهِ مزاج مِن الجنَّةِ، وتكونُ البركةُ فيه بقدرِ المزاجِ ) )، فعلى هذا فقد حصل ماء كله مِن الجنَّة أو بعضه مع زيادة فوائد جملة:
منها: ما ذكرناه مِن إبقاء البركة للأمة.
ومنها: أنَّه خصَّ مقره بهذه الأرض المباركة.
ومنها: أنَّه خصَّ به الأصل المبارك وهو إسماعيل عليه الصَّلاة والسَّلام.
ومنها: أنَّه خصَّ بما لم يخص غيره مِن المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه الصَّلاة والسَّلام غذاء فكان يغنيها عن الطعام والشراب.