فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 415

ولأجل هذا المعنى أخذ أهل الصُّوفية في المبالغة في إنواء الخير مِن حيث هو خير، لا يردُّهم عن ذلك شيءٌ، حتَّى لقد حُكي عن بعض فضلائهم أنَّه كان مريضًا، فدخل عليه بعض إخوانه، فقال لهم: انووا بنا حجًّا، انووا بنا رباطًا، وعدَّد لهم أنواعًا مِن أفعال البرِّ، فقالوا له: كيف وأنت على هذا الحال؟ فقال: إن عشنا وفَيْنا، وإن مِتنا حصل لنا أجر النيَّة.

ولأجل حسن نيَّاتهم وتتبعها على هذا المعنى، كان بعض فضلائهم إذا أتى الجِماع الذي هو أعظم ما يكون مِن الملذوذات، يأتيه وهو معتبِر في الحكمة في ذلك الفعل على ما هو عليه وما ينتج عنه، فلو كان إتيانه للشَّهوة لَمَا صدر الاعتبار في ذلك الحال.

فإذا كان هذا حالهم في النِّكاح الذي هو أعظم الملذوذات يرجع لهم بحسن نيَّاتهم مما يتقربون به، فكيف بهم في غيره مِن التَّصرفات؟ لكن بقي على هذا الفصل سؤال: وهو أن يقال قد تقرَّر أنَّ العلماء أفضل مِن غيرهم لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَا طَلَبُ العِلْمِ في الجِهَادِ إلَّا كَبَزْقَةٍ في بحرٍ ) )وقد قرَّرتم أنَّ سليمان عليه السَّلام إنَّما أراد إعظام النيَّة، فكان الأولى على تلك القاعدة أن ينوي بهم أن يكونوا علماء؟ والجواب عنه: أنَّ العلماء جُعِلوا لتقرير الأحكام وبيانها، والفرسان جعلوا لنصرة الدِّين وإعلاء الكلمة، فطلب سليمان عليه السلام ما هو المثبت للأصل، مع أنَّه لا ينافي أن يكون الفارس عالمًا بوجه.

الوجه الخامس: قوله: (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت