فهو ينوي ما استطاع أن يعقد النيَّة عليه، فإن قدر عليه فبها ونِعْمَت، وإن عجز فقد حصل له أجر النيَّة، وقد قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: (( الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، ولكل ِّامْرِئ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ ورسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيْبُهَا أو امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ) ). وكذلك فيما نحن بسبيله سواء مَن أتى أهله لشهوته كان له ذلك، ومَن أتاهنَّ لإدخال السُّرور عليهن ولكي يوصل لهن حقًّا واجبًا لهنَّ عليه، ولكي يولد له مولود في الإسلام فيكثر المسلمون بنكاحه، فله بحسب ما احتوت عليه نيَّته.
ومنه قول عمر رضي الله عنه: (( إنِّي لأتزوَّج النِّساء وما لي إليهنَّ حاجة، وأطؤهنَّ وما لي إليهنَّ شهوة ) )، فقيل له: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ قال: رجاءَ أن يخرج الله مِن ظهري مَن يَكْثُر به محمَّد صلى الله عليه وسلم الأمم يوم القيامة )) ، وإنَّما قال عمر رضي الله عنه هذا لكي يُقتدَى به فيه، لأنَّ انعقاد النيَّة على هذا الحال مِن أفعال البرِّ، وإظهار أفعال البرِّ مع القدرة على إخفائها رياء، لكن لَمَّا أن عارضه مصلحة دينيَّة أعظم له في الأجر مِن الإخفاء، صرَّح بذلك.
ومِن هذا الباب كان إخبار سليمان عليه السَّلام، ليبيِّن لمن حضره ما هو المقصود مِن الجماع؟ ولأي شيء يُرَاد؟ فعلى هذا فينبغي للمرء أن يحسن نيَّته ما استطاع، ويبالغ في ذلك جهده ثمَّ بعد إبلاغ الجهد، يستسلم لله حين الفعل، فإن أراد عزَّ وجلَّ إمضاء ذلك أمدَّه بالعون حتَّى يحصل للمرء ما نوى، وإن أراد غير ذلك فقد حصل له أجر النيَّة.