وللأسف فإن هذا الوهم والفصام النكد إنما أنتجه وعززه نأي كثير من العلماء بأنفسهم عن ساحات الجهاد، وبعدهم عن خوض غماره، والتعفر بغباره، وإلا فإن عَلَم الجهاد لم يزل مشرعًا منذ زمن النبوة، وتصرفت أحكامه في ذاك العصر بين فرض الكفاية تارة وفرض العين تارة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إليه بنفسه الشريفة ووراءه سادات العلماء من الصحابة الأجلاء وهم يجاهدون معه ويتفقهون على يديه، ويأخذون عنه أحكام الدين لحظة لحظة، وما منعهم ضرب الهام من تلقي الأحكام، وهكذا استمر الأمر زمن الخلفاء الراشدين، فكان القراء هم قادة الجيوش ووقود المعارك، يقاتلون ويحرضون ويعلمون، وما شعروا طرفة عين أن هناك تعارضًا ولا تناقضًا ولا تدافعًا بين نشر العلم باللسان والقتال من أجله بالسنان، ولهذا فلا تكاد تجد أحدهم يحتج لقعوده عن النفير بتفرغه لطلب العلم، ومع أن الجهاد في تلك العصور كان فرض كفاية في الجملة إلا أن علماء الأمة وسادتها كانوا يحرصون أشد الحرص على النفير خشية أن يلحقهم الوعيد الشديد الذي جاء في حق تاركه، فهذا أبو طلحة رضي الله عنه: [قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فقال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخًا وشَبَابًا، جهزوني يا بَنِيَّ. فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. فأبى، فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير، فدفنوه بها] (تفسير ابن كثير: 4/ 156) ، وهذا أبو حذيفة الصحابي الجليل ينادي يوم اليمامة وقد استحر القتل واستعر لهيب الحرب: [يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال] ، وقصص التاريخ مليئة بتلاحم العلم بالجهاد، واندماج العلماء بالمجاهدين، فكان أمرهما في كل حين كجناجي الطائر، وهي الصفة التي جاء بها هذا الدين كما قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد/25]
قال شيخ الإسلام رحمه الله: [ودين الإسلام أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة، وكان السيف تابعًا لذلك كان أمر الاسلام قائما] (مجموع الفتاوى: 20/ 393)
وقال أيضًا: [ولن يقوم الدين إلا بالكتاب، و الميزان، و الحديد، كتابٌ يهدى به، وحديد ينصره ... فالكتاب به يقوم العلم والدين، والميزان به تقوم الحقوق في العقود المالية