الصفحة 44 من 87

الله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة/46]

قال العلام السعدي -رحمه الله-:[يقول تعالى مبينًا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر.

(و) أما هؤلاء المنافقون فـ (لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) أي: لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم أنهم ما أرادوا الخروج.].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق.] رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

وليس المقصود بتحديث النفس بالجهاد، هو دغدغتها بالأماني، وإرسال أعنة الخيال تسرح هنا وهناك، بل لا بد من ظهور آثار ذلك التحديث، من الأخذ بالأسباب المؤدية إلى تحقيقه، والمعينة على القيام به، وإعداد العدة وأخذ الأهبة التي يتحصل بها، فعندها يسلم المسلم من هذا الوعيد الغليظ وينجو من الالتصاق بشعبة من شعب النفاق، قال الملا علي القاري -رحمه الله-: [والمعنى لم يعزم على الجهاد، ولم يقل: يا ليتني كنت مجاهدًا، وقيل معناه: ولم يرد الخروج وعلامته في الظاهر إعداد آلته قال تعالى: (ولو أرادوا والخروج لأعدوا له عدة) ويؤيده قوله: (مات على شعبة من نفاق) ، أي: نوع من أنواع النفاق، أي: من مات على هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد ومن تشبه بقوم فهو منهم] (مرقاة المفاتيح: 7/ 346) .

فالإعداد واجبٌ على كل حال، ويتأكد وجوبه عند سقوط الجهاد للعجز، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد أمر الله تعالى به أمرًا مستقلًا فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال/60] ، وما أصاب المسلمين من تسلط أعدائهم، وازدياد هوانهم، إلا بعد أن ضيعوا هذه العبادة، وغفلوا عن هذا الواجب، فذهبت بذلك هيبتهم وتبددت قوتهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت