على المدينة مرارًا كان رجلًا ضريرًا وهو من أصحاب الأعذار قطعًا ينفر إلى الجهاد بنفسه ويحمل الراية بين الصفين يوم القادسية وليس له غرضٌ في ذلك إلا طلب الشهادة، ويستفيد بعذره الشرعي في الثبات وعدم الفرار، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يؤثموه، بل عُدَّ ذلك من عظيم مناقبه تذكر كلما تُرجم له، والجهاد إذ ذاك كان فرض كفاية، وفي جيوش المسلمين من الأبطال ما يغني ومع ذلك أبى إلا أن يشارك بنفسه ويتجاوز التعلق بعذره الذي عذره الله به وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فقال عبد الله بن أم مكتوم: أي رب أنزل عذري أنزل عذري. فأنزل الله: غير أولي الضرر. فجعلت بينهما. وكان بعد ذلك يغزو فيقول: ادفعوا إليَّ اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر وأقيموني بين الصفين.] (الطبقات الكبرى: 4/ 210) قال الرازي في تفسير الآية المذكورة: [والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو، وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة. إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم، بشرط أن لايجعل نفسه كلًا ووبالًا عليهم، كان ذلك طاعة مقبولة] (تفسير الرازي: 8/ 119) .
وأما قول المرشد: [فله ثواب ما قام به ويسقط عنه إثم ما عجز عنه.]
فسقوط الإثم عن العاجز ليس على إطلاقه لاسيما في شأن الجهاد، فقد يكون هذا العجز ناتجًا عن تقصير وتفريط وتهاون، فلا يسقط عنه آنذاك إثم ما عجز عنه، كما أن الوثيقة لم تُشر إلى البديل الذي يُنتقَل إليه عند العجز عن أداء فريضة الجهاد، وتجاوزته تجاوزًا مقصودًا، وهو الإعداد الذي يزول به ذلك العجز، فالصحيح أن يقال ويسقط عنه إثم ما عجز عنه ما دام ساعيًا في رفعه وإزالته أو ما لم يكن ذلك ناتجًا عن تفريط وتضييع، أما أن يرى المسلم ديار الإسلام مغتصبة، وأحكام الشريعة معطلة، وسجون الكفرة تكتظ بإخوانه الأسرى، وأعراض المسلمات تنتهك جهارًا نهارًا، وأموال المسلمين تنهب ويتقوى بها أعدؤهم، ثم ينهمك في أمور الدنيا وكأن أمر الإسلام لا يعنيه، وبعد ذلك يتكئ على أريكته ويقول إننا عاجزون مستضعفون فلا إثم علينا ولا حرج، ولا يسعى سعيًا حقيقيًا ويجتهد اجتهادًا صادقًا لإزالة عجزه والخروج من استضعافه فهذا من علامات النفاق وليس من أسباب سقوط الإثم كما قال