إلى أن قال: ورأوا أن قصد المعروف يخصص العمومات كما في القرض، ألا ترى أن بيع الذهب بالذهب نسيئة ممتنع فإذا كان على وجه القرض جاز [13] .
وقال ابن رشد في سماع ابن القاسم المتقدم: ظاهر هذه الرواية جواز بدل الطعام المعفون بالصحيح السالم على وجه المعروف في القليل والكثير ومنعه أشهب كالدنانير الكثيرة النقص". (4/ 333) "
قال ابن رشد: كره مالك أن يعطي الرجل المثقال ويأخذ أربعة وعشرين قيراطا معدودة مراطلة؛ لأن الشيء إذا وزن مجتمعًا ثم فرق زاد أو نقص، وأجاز ذلك ابن القاسم استحسانًا على وجه المعروف في الدينار الواحد، كما أجازوا مبادلة الدينار الوازن بالناقص على وجه المعروف. (المواق4/ 333)
وقد أجاز مالك أن يؤجر الخياط على ما يحتاج هو وأهله من الثياب في السنة، والفران على خبز ما يحتاج إليه من الخبز سنة أو شهرًا إذا عرف عيال الرجل وما يحتاجون إليه من ذلك.
وقد علل ابن يونس ذلك بأن أكل الناس معروف والخياطة قريب منه.
وأجاز مالك الهبة لغير ثواب مسمى، قال: لأنه على وجه التفويض في النكاح". [14] "
وهو شبيه بهبة الثواب عند مالك، قال خليل:"وجاز شرط الثواب، ولزم بتعيينه وصدق واهب فيه إن لم يشهد عرف بضده".
قال الزرقاني: والحاصل أن هبة الثواب كالبيع في أكثر الحالات فيما يحل ويحرم من عوضها إلا أنه إنما يجوز فيها في العين بأكثر، حيث جرى فيه عرف كما قال القابسي وقوله في أكثر الحالات لأنها تخالفه في أقلها، وذلك في ستة أمور جوازها مع جهل عوضها حين عقدها، وأنه لا يلزم عاقدها الإيجاب والقبول ولا تفيتها حوالة السوق، وعوضها إنما يلزم بتعيينه ويجوز مع جهل أجل العوض، ولا يجوز تعويضها بأكثر من قيمتها إلا لعرف. (7/ 109)
ومن هذا القبيل تأثير الحاجة معتمدة على اشتمال العقد على معنى الرفق والمعروف، فقد يكون العقد في أصله حرامًا ولكنه يباح للحاجة بناءً على ما علم من التفات الشارع للمعروف والرفق.
ومن ذلك أنهم أجازوا إجارة لا تعرف فيها طبيعة المنافع المستأجر عليها ولا الذات المستأجرة وذلك في صيغة عرفت عند المالكية بـ"أعني بغلامك لأعينك بغلامي".
وتصور هذه المسألة من مختصر خليل ممزوجًا بشارحه الزرقاني:"وجاز أعني بغلامك على حرثي ونحوه لأعينك بغلامي. أراد أو نفسي على حرثك أو غيره. ولذا حذف متعلق حال كون ذلك، إجارة لا عارية، لأنها بغير عوض وهذا بعوض، تحدث المنفعة أم لا، تساوى زمنها أو اختلف، تماثل المعان به للآخر أم لا، كحرث وبناء وغلام وثور فلا يشترط اتحاد المنفعة ولا عين المستعمل. وهذه إجارة ومعلوم أن الإجارة كالبيع. أركانها، والركن الثاني - الأجر- هو كالثمن يطلب كونه معروفًا قدرًا وصفة". هذا كلام ابن عرفة (المواق:5/ 389) .
وهذه الصيغة التي اعتبرت تشتمل على جهل قدر الأجرة وصفتها؛ لأنها قد تكون ثورًا في مقابل غلام، وقد تكون حرثًا في مقابل البناء لأن الإعانة معروف حسب عبارة الزرقاني (نفس المرجع) .
قال ابن شاس: لو قال أعني بغلامك يومًا وأعينك بغلامي يومًا فليس بعارية بل ترجع إلى حكم الإجارة، لكن أجازه ابن القاسم ورآه من الرفق (المواق:5/ 269) .