وقد يختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبة وبيع الحنطة في سنبلها، ويكون اختلافهم مبنيًا على هذه القاعدة، فبعضهم يرى الغرر يسيرًا لا يؤثر، وبعضهم يراه مؤثرًا، والله سبحانه وتعالى أعلم. [11]
أما الشيخ تقي الدين بن تيمية فإنه قيّد الحاجة بالشدّة عندما قال في حديثه عن الجوائح:"والحاجة الشديدة يندفع بها الغرر اليسير، والشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها مصلحة راجحة أبيح المحرّم، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية؟!" (الفتاوى)
-الغرر المضاف:
واعتبر المالكية أن الغرر إذا كان مضافًا لأصل جائز يغتفر للحاجة بخلاف ما لو كان الغرر أصلا في العقد فيبطل العقد، قال المواق:"ومن المدونة: من باع أمة وله رضيع حر وشرط عليهم رضاعته ونفقته سنة فذلك جائز إذا كان إن مات الصبي أرضعوا له آخر". (ابن يونس) .
والفرق بين هذا وبين الظئر لا يجوز أن يشترط إن مات الطفل أن يؤتى بغيره، أن مسألة الأمة الغرر فيها تبع لأنه انضاف إلى أصل جائز، كقول مالك في بيع لبن شاة جزافًا شهرًا أنه لا يجوز، وأجاز كراء ناقة شهرًا واشترط حلابها، أصله جواز اشتراط المبتاع ثمرًا لو يؤبر - انظر بعد هذا عند قوله - وخلفه الفصيل. وقال أشهب: إلا أنه على قوله يعطي الموجود حكم المعدوم كالغرر والجهالة في العقود إذا قال: وعسر الاحتراز عنهما نحو أساس الدار وقطن الجبة ورداءة باطن الفواكه ودم البراغيث ونجاسة ثوب المرضع. وانظر بالنسبة للربا لا يجوز منه قليل ولا كثير لا لتبعية في بيع الحلي- من ابن يونس- [12] .
وهذا الكلام واضح في أمرين: أحدهما أن الغرر قد يجوز تبعًا للحاجة ويجوز منه اليسير، وأن الربا لا يجوز منه قليل ولا كثير.
وهذه نصوص تبين حدود تأثير الحاجة في المنهيات وذلك بحسب مرتبة النهي، فما كان في مرتبة وسطى كالغرر تؤثر فيه بشروط، وما كان في مرتبة عليا لا يتأثر بها.
العقود التي فيها شائبة معروف
تعامل العلماء معها تعاملا يعتمد على المقاصد وذلك من وجهين: من جهة قصد العاقد إسداء النفع وتقديم الخير للآخرين، ومن جهة ما علم من قصد الشارع إلى تشجيع عمل البر والمعروف.
وقد تفطن الفقهاء لذلك فخصصوا به عموم النهي وحدوا به من اطراد القاعدة، وهذا النوع من تخصيص الكلي يعتبر من صميم الاستحسان، وتوضيحًا لذلك نقول: إن العقود تنقسم إلى: معاوضات، وتبرعات، فالأولى يمتنع فيها الغرر والجهالة وغيب السلعة ... إلى آخره.
أما الثانية فلا يمتنع فيها شيء من ذلك، إلا أننا نجد أن الفقهاء رتبوا أحكامًا خاصة لعقود هي في أصلها معاوضات يمتنع فيها الربا ويمنع فيها من حيث الأصل والأساس الغرر وعيوب الإرادة، غير أنهم عولوا فيها على شائبة الإرفاق فأجازوا مداخلة الغرر لها تشجيعًا للمعروف بين الناس. والقطوف التالية توضح ذلك؛ قال في التوضيح: والأصل منعها"الزيادة القليلة في المبادلة"إلى قوله: ولأنه لما كان النقص حينئذ لا ينتفع به صار إبداله معروفًا، والمعروف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره"."