الصفحة 7 من 14

علّق عليه الباجي بقوله:"نهيه صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر يقتضي فساده، ومعنى بيع الغرر - والله أعلم - ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه".

وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد عقد البيع فإنه لا يكاد يخلو منه عقد، وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود لاختلافهم فيما فيها من الغرر هل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة أو من حيز القليل الذي لا يمنعها؟ فالغرر يتعلق بالمبيع من ثلاثة أوجه: من جهة العقد، والعوض، والأجل (المنتقى:5/ 41) .

قلت: وجه ما ذكره الباجي وغيره أن مجرد وجود الغرر ليس مبطلا للعقد حتى يكون غالبًا ناشئًا عن كون إضافة البيع إلى الغرر هو من إضافة الموصوف إلى الصفة.

ووصف ابن مالك في «التسهيل» هذا النوع من الإضافة بأنه من شبه المحضة ومثل له بمسجد الجامع؛ لأن المسجد هو الجامع وذلك صفته، ومعنى هذا أن النهي وارد على بيع غرر وليس عن بيع فيه غرر، والفرق يدركه البصير بموارد الألفاظ.

وقال القرافي:"قاعدة: الغرر ثلاثة أقسام: متفق على منعه في البيع كالطير في الهواء، ومتفق على جوازه كأساس الدار، ومختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول لعظمه أو بالقسم الثاني لخفته أو للضرورة إليه؛ كبيع الغائب على الصفة والبرنامج ونحوهما".

فعلى هاتين القاعدتين يتخرج الخلاف في البراءة؛ فـ (ح) يرى إن كان المبيع معلوم الأوصاف حقا للعبد فيجوز له التصرف فيه وإسقاطه بالشرط، وغيره يراه حق الله تعالى وأنه حجر على عباده في المعاوضة على المجهول.

و (ح) يرى أن غرر العيوب في شرط البراءة من الغرر المغتفر لضرورة البائع لدفع الخصومة عن نفسه، وغيره يراه من الغرر الممنوع لأنه قد يأتي على أكثر صفات المبيع، فتأمل هذه المدارك فهي مجال الاجتهاد، وانظر أيها أقرب لمقصود الشرع وقواعده فاعتمد عليه، والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد. [10]

ويقول النووي:" (فرع) : الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز منه، (فأما) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل الأعضاء أو ناقصها، وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك، فهذا يصح بيعه بالإجماع."

ونقل العلماء الإجماع أيضًا في أشياء غررها حقير (منها) : أن الأمّة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، ولو باع حشوها منفردًا لم يصح، وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرًا مع أنه قد يكون ثلاثين يومًا وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة، وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام.

قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيرًا جاز البيع وإلا فلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت