وهو عالم له نظمه وإجراءاته العلمية في مواجهة ما يقع فيه من خلاف وفتن تخلخل كيانه لو تركت بغير علاج. وهو يواجهها بإجراءات عملية منبثقة من قاعدة الأخوّة بين المؤمنين، ومن القيام بالعدل والإصلاح، ومن تقوى الله والرجاء في رحمته ورضاه.
وهو عالم له آدابه النفسيّة، وضوابطه السلوكيّة، في مشاعر بعضه تجاه بعض، وفي معاملات بعضه بعضًا.
وهو عالم نظيف المشاعر مكفول الحرمات، مصون الغيبة والحضرة، لا يؤخذ فيه أحد بظنّة، ولا تتّبع فيه العورات، ولا يتعرّض أمن الناس وكرامتهم، وحرّيتهم فيه لأدنى مساس.
وهو عالم له فكرته الكاملة عن وحدة الإنسانيّة المختلفة الأجناس، المتعدّدة الشعوب، وله ميزانه الواحد الذي يقوّم به الجميع، إنه ميزان الله المبرّأ من شوائب الهوى والاضطراب.
والسورة بعد عرض هذه الحقائق الضخمة، تحدّد معالم الإيمان وحقيقته، وأبرز تكاليفه وتبعاته، وتقدّم للمؤمنين في كلّ عصر وجيل: الميزان الربّانيّ، الذي هو المعيار الصحيح، المنزّه عن نزغات الهوى وأوهام الواهمين.
وتكشف السورة في ختامها عن ضخامة الهبة الإلهيّة للبشر، الهبة التي لا تعدلها هبة ولا توازيها، إنها هبة الإيمان التي يمنّ الله بها على من يشاء من عباده بمقتضى علمه وحكمته، وفضله ورحمته.
ـ وأما الأمر الثاني الذي يبرز للنظر في هذه السورة، ومن مراجعة الوقائع التي كانت سبب نزول بعض آياتها، فهو هذا الجهد الضخم الثابت المطّرد، الذي تمثّله توجيهات القرآن الكريم، والتربية النبويّة الحكيمة لإنشاء