فإنه إغفال منه؛ وذلك لأن التغاني تفاعل من تَغنَّى: إذا استغنى /75/ كل واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه، وتشاتما، وتقاتلا. ومَن قال: هذا فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد، فيقول: تغانى زيد، وتضارب عمرو، وذلك غير جائز أن يقول: تغنى زيد بمعنى استغنى، إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء، وهو غير مستغن، كما يقال: تجلَّد فلان: إذا أظهر جَلَدًا من نفسه وهو غير جليد، وتشجَّعَ، وتَكَرَّم؛ فإن وَجّه موجَّه التغني بالقرآن على هذا المعنى على بُعده من مفهوم كلام العرب، كانت المصيبة في خطئه في ذلك أعظم، لأنه يُوجب على من تأوله أن يكون الله تعالى ذِكُره لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذِنَ له أن يُظهر من نفسه لنفسه خلاف ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فساده [1] .
8 -وقال الطبري أيضًا: ومما يُبين فساد تأويل ابن عيينة أيضًا أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد به أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون الأذن عند ابن عيينة بمعنى الإذن الذي هو إطلاق وإباحة [2] ، وإن كان كذلك، فهو غلط من وجهين، أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه. أما اللغة، فإن الأذن مصدر قوله أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذن له: إذا استمع وأنصت /76/، كما قال تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [3] ، بمعنى: سمعت لربها وحُقَّ لها ذلك، كما قال عدي بن زيد:
إن همي في سَمَاع وأَذَن [4] .
بمعنى: في سماع واستماع. فمعنى قوله: «ما أذن الله لشيء» إنما هو: ما استمع الله لشيءٍ من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن.
وأما الإحالة في المعنى، فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع
(1) زاد المعاد: (1/ 487 - 488) .
(2) بل أجمع العلماء على أن معناها الاستماع، كما في شروح البخاري ومسلم ومعجمات اللغة.
(3) سورة الانشقاق، آية (2) .
(4) هي في ديوانه: (172) وهو عجز بيت صدره: أيها القلب تعلق بددن.