والخطيب الداعية على هذا التقسيم يستطيع بمعرفة التاريخ والأمم أن يدحض أقوال المتطاولين التي تطعن في الإسلام وحضارته، أو تدعي أن الإسلام لم يحكم الحياة، ولم يكن له تأثير في تاريخ الشعوب، وبذلك ينساق مع الدعاوى القائلة بأنه ليس في الإسلام مشروع إصلاحي، أو لم يكن للمسلمين كذلك مشروع، ومعرفة الخطيب الداعية بالتاريخ تمكنه من معرفة الفرق بين الجاهلية والإسلام، وكيف غيّر الإسلام أوضاع الجاهلية وجاء بإصلاح عظيم في مجالات التشريع والأخلاق والعبادة والعقيدة، ومن هنا فالخطيب يجب أن يكون له إلمام جيد بعلوم عصره، لا سيما في عصرنا الحاضر أيضًا مما يوفر له قاعدة مهمة في إقناع مستمعيه بحديثه؛ مما يحض مستمعي خطبه على حسن الاستجابة لما يقول، ويكتشف أيضًا أخطاء دعاة التوجهات المادية ممن ينقدون الأديان، أو يقللون من شأن ديننا خاصة لأنه دين ودنيا، وهو دين ودولة.
-أما الخطيب الواعظ حسب التقسيم:
فهو يكون أقل تأهيلًا ممن سبقه، فهو رجل له حظه من الفقه والمعرفة بالكتاب والسنة، وله حظ من العربية، وهو يؤدي مهمته في نطاق علمه ومعرفته، وينتفع به، ولكن مجال انتشار خطبه أقل من صاحبه، وربما تصدر منه أخطاء بسبب عدم إدراكه لواقعه إدراكًا جيدًا، وعدم معرفته بمكامن الأدواء الاجتماعية، وقد يصدر خليط غير متعمد في بعض الاستشهادات.
وعلى كل حال فإن الخطباء ليسوا على درجة واحدة، وهذا شأن الله وسنته في خلقه، بل حتى الخطباء المتميزون ليسوا على درجة واحدة في اهتماماتهم بأنواع العلوم والمعارف والمواضيع، وحسن طرقها وحسن تقديمها للناس.
دراسة الخطابة وحقيقة الخطيب
قال محمد كاتب المهدي وكان شاعرًا رواية وطالبًا للنحو علامة قال: سمعت أبا داود يقول وجرى شيء من ذكر الخطب وتحبيرها فقال (( رأس الخطابة الطبع وعمودها الدربة وجناحاها رواية الكلام وحليها الإعراب وبهاؤها تخير الألفاظ والمحبة مقرونة بالشكر ) ).