الصفحة 62 من 213

جهة ثانية، ظاهرةَ التدوير للنهوض بمهمة التعبير عن مثل هذه العواطف المتشابكة، فالشاعر لا ينجذب إلى تقنية التدوير دونما حاجة من الدوافع الداخلية للتعبير، التي تنبثق عن تصدعات

النفس في أعلى درجات توترها [1] .

إن إحساس الجواهري بأن التدوير يقضي على جمالية القافية وحساسيتها الإيقاعية، ألجأه إلى عملية تعويض صوتية تتمثل في إكثاره من التقفيات الداخلية والتكرار والموازنات الصوتية، كالتقفية الداخلية [2] بين (إليه ـ فوديه ـ قدميه ـ عليه) ، و (يلتف) و (تلتف) ، وتكرار عبارة (آه .. لو كان) ثلاث مرات، وتوازن عبارة (من الشيب مسوحُ) مع (مع الشيب طموح) ، وعبارة (لريعان الصبا) مع (لقطعان الهوى) ، علاوة على أن الشاعر لم يدور المقطع بأكمله فيقضي على رهافة القافية نهائيًا، بل نجده تارة يتمسك بالقافية كما في (تلوح، يروح، مسوح) و (شجيا، فتيا، شيا) و (دفعا، رجعا، مرعى) ، وتارة أخرى يميل إلى التدوير تماشيًا مع مقتضيات التجربة [3] .

وظاهرة التدوير تنقل القصيدة أحيانًا من إيقاع بحر شعري إلى آخر، فالنص السابق المبني على تفعيلة بحر الرمل (فاعلاتن) تحول فيه الإيقاع في بعض الأسطر إلى تفعيلة الهزج (مفاعيلن) ، فلو قُرِئ المقطع الآتي (مع مراعاة الوقف عند نهاية الأسطر) :

آهِ .. لَوْ كَانَ ...

لِرَيْعانِ الصِّبا يَسْطِيعُ رَجْعا!

آهِ .. لَوْ كَانَ ...

لِقِطْعانَ الهَوَى فِي الشِّعْبِ مَرْعَى!

لبدا أن السطرين الثاني والرابع يتألف كلٌّ منهما من إيقاع الهزج (مفاعيلن مفاعيلن

(1) وبذلك يخالف الجواهري كثيرًا من الشعراء الذين لاذوا بالتدوير دونما مثيرات داخلية تسوّغ لهم الاختيار، يقول علي جعفر العلاق:"لقد تحول التدوير، على أيدي بعض الشعراء، إلى كتابة آلية، حين صار خضوعًا لسحر الموجة، واستسلامًا لفتنها الشائعة، إن معظم الذين أخذوا يعتمدون القصيدة المدورة إطارًا إيقاعيًا لقصائدهم لا يملكون الدوافع الداخلية التي تحتم اختيار هذا الشكل، ولا يعانون تجربة درامية ضاغطة، تستدعي التدوير وسيلة للأداء" (في حداثة النص الشعري: 102) .

(2) * فَرقُ ما بين التقفية الداخلية والتقفية العادية هو أن التقفية الداخلية لا ترد إلاَّ في تفعيلة غير مكتملة، أو تأتي قبل انتهاء الجملة الشعرية إن كانت في تفعيلة كاملة، أما الأخرى فترد في تفعيلة كاملة تختتم بها الجملة الشعرية.

(3) يشير بعض النقاد إلى أن التلوينات الصوتية التي تثري الإيقاع وتمنحه عمقًا وكثافة، ضرورية في القصائد الحرة التي يرد فيها التدوير بكثرة؛ للتعويض عن الجماليات المفقودة للقافية، ولكسر حِدّة التدفق للتفعيلات المتوالية. (ينظر: عن بناء القصيدة العربية الحديثة: 194 وما بعدها، وفي حداثة النص الشعري: 94 وما بعدها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت