مفهوم الإيقاع ليشمل كلا الأمرين: التناوب الصحيح المنضبط لعناصر متشابهة، أو التكرار الدقيق لنفس العناصر، فالأول كتناوب تفعيلتي البسيط (مستفعلن ـ فاعلن) على مدار القصيدة، والثاني كتردد تفعيلة الكامل (متفاعلن) بتمامها دون تفاوت على رقعة العمل الشعري كله" [1] ، فهذا الكلام تعريفٌ للوزن في حقيقة الأمر وإن كان صاحبه قد أطلقه على مفهوم الإيقاع، ومثله قول آخر:"الإيقاع عبارة عن ترديد وتناوب متناسق للمقاطع" [2] ."
إن هذا الخلط بين مفهوم الإيقاع والوزن يوقع أصحابه في مطبات منهجية تعود بالضرر على دراستهم للإيقاع، ولما وجد الخلط بين المفهومين طريقه إلى كثير من المشتغلين بهذا الحقل، تلمّس بعض ذوى الاختصاص تفسيرًا لذلك فقال:"وربما يُفسر ذلك بالصلة الحميمة بينهما وهى الأصل بالفرع، والكل بالجزء. ومما يفسر ذلك أيضًا أن للوزن حضورًا دائمًا في الشعر القديم وشاملًا لأطراف النص، أما الإيقاع فحضوره عرضيّ غير مقيد ولا مشروط، فكانت النتيجة أن استأثر الوزن باهتمام علماء العروض ونقاد الشعر فقل اهتمامهم بغير الوزن من ظواهر الكلام الإيقاعية" [3] .
وحقيقة العلاقة بين الوزن والإيقاع هي أن الوزن أحد تجليات الإيقاع المتعددة، ولعله يكون أقوى وأوضح هذه التجليات بحكم طبيعته النمطية والمشتركة بين سائر النصوص التي تنتمي إلى الإبداع الشعري [4] ، فهو وارد في الإيقاع إلا أنه ليس شرطًا له [5] ، وتأسيسًا على ذلك دُرست المقاطع المؤلفة للأوزان ضمن عناصر الإيقاع الشعري [6] ، وبذلك يصير الوزن ظاهرة إيقاعية خاصة بالشعر، فهو يقوم من الإيقاع مقام الجزء من الكل [7] ، أو كما قال بعضهم:
(1) ظاهرة الإيقاع في الخطاب الشعري: 39ـ40.
(2) تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 226، وينظر: مدخل لدراسة الإيقاع في قصيدة الحرب: 23، وقضية الشعر الجديد: 313 ففيه ما يُفهم منه ذلك.
(3) في مفهوم الإيقاع: 16ـ17، وقد نقل هذا الكلام نقلًا يكاد يكون حرفيًا صاحب كتاب (بنية الإيقاع في الخطاب الشعري: 22) دون إشارة إلى أصله عند الطرابلسي.
(4) * لا يشمل هذا الكلام ـ بطبيعة الحال ـ قصيدة النثر.
(5) شعرية الإيقاع: 210.
(6) الإيقاع في شعر السياب: 10ـ11.
(7) أكد الكثير من الباحثين هذه الحقيقة مع اختلاف في صيغ الطرح لديهم، ينظر: في البنية الإيقاعية للشعر العربي: 230ـ231، وفي مفهوم الإيقاع: 12 و20، وأوزان الألحان بلغة العروض: 36، والعروض وإيقاع الشعر العربي: 85. وقد أغرب بعض الباحثين عندما ذهب إلى أن الوزن أشمل موسيقيًا من الإيقاع (مدخل لدراسة الإيقاع في قصيدة الحرب: 24) .