وقد كثُر التضمين، الذي يعني ارتباط البيت بلاحقه دلالة، في شعر الجواهري كثرة واضحة، فتحوّل من بُعده القديم المعيب إلى بعد جديد ذي وظيفة جمالية تتجلّى في إضفائه إيقاعاتٍ تنغيميةً مخالفة لسائر أبيات القصيدة في نهايات الأبيات التي يظهر فيها، فهو بذلك عامل من عوامل تنويع إيقاع النهايات، وأداة فعّالة لإخراجه مِمّا قد يعتريه من نمطية، فضلًا عن تحقيقه لغاية جمالية أخرى هي غاية التوتر والصراع الناشئين بين القافية التي تحاول أن تُنهي الأبيات صوتيًا ودلاليًا والتضمين الذي يعوق هذه المحاولة، كما لا يمكن إغفال قيمته البنائية الكامنة في أنه يساعد على ترابط أجزاء القصيدة وصولًا إلى اكتمال الوحدة العضوية.
وحاول البحث تسليط الضوء على التدوير الذي يعدُّ ظاهرة عروضية أساسًا، فتبيّن له إكثار الشاعر منه، وقد أوضحت النماذج المدروسة أن التدوير عند الجواهري يتعدّى حدود الظاهرة الإيقاعية إلى كونه أداة تعبيرية تُعين في الكشف عن الاحتدامات العاطفية، وتساعد النصوص ذات البناء الدرامي على التعبير بشكل أفضل عمّا تصبو إلى التعبير عنه، وكان أوضح تجلٍّ لهذه الحالة الأخيرة في تلك النصوص الحرة النظم التي نظمها الشاعر مستخدمًا فيها تقنية التدوير بكثرة.
وقد أفاد الجواهري من إمكانية التغيير في الأوزان المتمثلة في الزحافات والعلل إفادة حسنة، فكثيرًا ما كان الزحاف في شعره ذا أثر جمالي بتقليله من السواكن، والعلة بتحويلها البحور المفردة التفعيلة إلى بحور ذات تفعيلات مزدوجة وما يصاحب ذلك من تنويع إيقاعي ذي وظيفة جمالية. ووقف البحث عند إمكانية التعويض الإيقاعي الذي يسد الخلل الناجم عن الزحافات المزدوجة المستكرهة القليلة الشيوع في شعر الجواهري.
وحاول البحث متابعة وفاء الشاعر للبنية الإيقاعية على حساب البنى اللغوية الأخرى، فاتّضح له، عبر شواهد كثيرة، أن الشاعر ملتزم التزامًا شديدًا بضوابط الإيقاع، فقد كان يُخضع المستويات التركيبية والصرفية لنظام الإيقاع، ويجعلها خادمة له، محققًا بذلك ظن النقاد في الشعر الجيد إذْ يرون، كما مرَّ في تمهيد الرسالة، أن الإيقاع يسلك سلوك المهيمن على المستويات الأخرى في النصوص الشعرية الرفيعة.
وكان للجواهري اهتمامٌ بالغٌ بالقافية وبموقعها الإيقاعي، وتبيّن ذلك من خلال الحروف التي اختارها لأروائها، وأنواع القوافي التي استعملها، وطريقة بنائه الإيقاعي للبيت، فهو يحاول ـ في أحيان كثيرة ـ التمهيد للقافية كي تأتي مستقرة في موقعها القرار من البيت، فضلًا عن تنويعه للقافية في كثير من النصوص تنويعًا كان له الأثر المحمود في بلوغ الثراء الفني الإيقاعي، وفي الإبانة والتعبير عن مكنونات النفس ودواخلها.