بعد هذه الملازمة الطويلة لشعر الجواهري، والمعاينة المتتابعة لبنيته الإيقاعية، استوى البحث على طائفة من النتائج المنبثقة من النصوص المُستشهد بها في مواضعها من الرسالة، والتي يُمكن إجمالها على النحو الآتي:
وقف البحث في التمهيد على مفهوم الإيقاع، محاولًا تعرُّف ماهيته وتحديد مادّته، فتبيّن له أن أرجح الآراء في ذلك هي ما يجعله وقفًا على المادّة الصوتية، ثم انطلق إلى التطبيق العملي متبنيًا هذا الفهم غير خارج عنه، كما اتّضح له أن الإيقاع من أهم أركان فن الشعر، وألصقها به خصوصية، وأوضح وجوه التمييز بينه وبين فنون القول الأخرى. ثم حاول التعرف على موقف الجواهري من الإيقاع على الصعيد النظري، متوخّيًا بذلك إقامة وشيجة بين التمهيد ذي الطبيعة النظرية وبين الشعر مادة البحث، فتجمّع لديه الكثير من نصوص الشاعر التي يُشيد فيها بالإيقاع، وينظر إليه ـ من خلالها ـ نظرة إكبار وإعظام.
ووقف البحث طويلًا عند الإيقاع الشعري الثابت، متابعًا البحور التي استخدمها الشاعر بحرًا بحرًا، فتبيّن له بعد الفحص الشامل والإحصاء الدقيق أن الجواهري تقيّد بالأوزان الخليلية الموروثة، وبطريقة النظم المألوفة عليها في الغالب الأعم من متنه الشعري، مع مخالفته للنسب القديمة التي كان عليها استعمال البحور عند الشعراء القدماء، غير أن ذلك لم يمنعه من استعمال الإمكانات الإيقاعية للأوزان الخليلية بطرائق يخرج بها عن النهج التقليدي، وقد كان بعض هذه المحاولات مستندًا إلى النظام نفسه، وذلك في جمع الشاعر بين التشكيلات المتعددة للبحر الواحد، أو جمعه بين أكثر من وزن في قصيدة، أو محاولة إبداع تشكيلات جديدة لا عهد للعروض التقليدي بها، أمّا بعضها الآخر فكان أوضح خروجًا عن النظام التقليدي، وتمخّض عن نصوص شعرية منظومة على أسلوب شعر التفعيلة أو على طريقة القصيدة المدوّرة. وحاصل ذلك كله أن البُعد الإيقاعي الوزني بأنساقه المختلفة (شعر الشطرين وشعر التفعيلة والقصيدة المدوّرة) يمثل رُكنًا رئيسًا في بنية الخطاب الشعري لدى الجواهري، ومقوّمًا مهمًا من مقومات شعريته، وأبرز خصائصه الجوهرية المميّزة التي تجعله مختلفًا عن الخطاب النثري الفني، وفي هذا تعليل لإعراض الجواهري إعراضًا تامًّا عن الخوض في قصيدة النثر كما أوضح البحث ذلك في موضعه.
إن كثرة مراودة الشاعر للأوزان الخليلية الموروثة، والتزامه بطريقة النظم المألوفة عليها، دليلٌ واضح على أن الشعر العمودي ينساق إلى الخصائص التعبيرية والمعنوية الجديدة، ولا تتنافر طبيعة الأوزان مع معطيات العصر الحديث، بل في مقدورها أن تتلاءم مع مختلف التيارات الفكرية والحضارية الحديثة إذا مارسها شاعرٌ متمكِّنٌ موهوب.