لا شك في أن الإيقاع من أهم مزايا الفن الشعري، فقد"أكدت تجارب جميع الشعوب، وحتى البدائية منها، أن الشعر يقترن اقترانًا وثيقًا بالإيقاع والموسيقى الشعرية، وأن الإيقاع الشعري ليس شيئًا عرضيًا أو زينة خارجية يمكن طرحها بسهولة" [1] ، وإنّما هو خاصية جوهرية في الشعر [2] ، وأقوى وسائل الإيحاء فيه [3] ، بل"هو قوة الشعر الأساسية" [4] ، فهو"يتدخل في العمل الشعري تدخلًا مباشرًا وتفصيليًا ليُسهم مع العناصر المكملة الأخرى في منح هذا العمل هويته وماهيته الإبداعية" [5] ، وهو من بين جميع تلك العناصر الجمالية"أول ما يدخل ميدان الفعل؛ لأنه كأنما يعطينا إشارة بأن شرارة النشاط التشكيلي قد انطلقت، ثم يُهيِّئنا حالًا لموجة معينة ... فعندما نسمع أولى الكلمات من قصيدة ... فإنه لا يكون أُتيح لنا بعدُ أن نبدأ التفكير، لأنه لا أيٌّ من الصورة أو الفكرة يكون قد تشكل بعد، ولكن النبض قد ابتدأ ونحن مأخوذون بسحر"
(1) الصوت الآخر: 287، وينظر: عن بناء القصيدة العربية الحديثة: 162، وقال بعض الباحثين:"إن نشأة الشعر العربي كانت مصاحبة للنغم، ففي العصر الجاهلي اقترن الشعر بإيقاع خطوات الإبل وبخاصة إيقاع بحر الرجز، وحين نستنطق التاريخ الأدبي نجد أن الصلة وثيقة بين الحُدَاء والشعر في تطور تركيبه وتوفيق أوزانه وتقسيم أعاريضه" (موسيقى الشعر العربي بين الثبات والتطور: 17) ، وجدير بالذكر في هذا المقام أن العرب كانوا يزنون الشعر بالغناء أو بالحُداء، قال ابن رشيق:"وقيل: مِقْوَدُ الشعرِ الغناءُ به" (العمدة: 1/ 211) ، ورَوَى حادثة عن المتنبي أنه كان إذا أراد نظم الشعر تغنَّى وصَنَعَ، فإذا توقّف بعض الشيء رجَّع بالإنشاد من أول القصيدة إلى حيثُ انتهى منها، (ينظر: م. ن: 1/ 211ـ212) ، ولم يخرج الجواهري عن سنن أسلافه في ذلك، فهو يقول عن نفسه:"وكنتُ أحدو ـ كما هي عادتي ـ بما أنظمه من القصيد" (الديوان: 3/ 393) ، ويقول في نص شعري له (م. ن: 6/ 19) :
أَنا فِي رِكابِ الشِّعْرِ ما لَمْ أَحْدُهُ ... فَإِذَا حَدَوْتُ فَإِنَّهُ بِرِكابِي
وليس الحدوُ والغناء هنا"لمجرد التصويت وإنّما إشباع هذا الصوت بالألفاظ المنظومة ليتلمس مواطن التلاؤم والتنافر في النظم" (جرس الألفاظ ودلالتها: 224) ، والأهم من ذلك أن ننتبه إلى أن الجواهري ـ كما هي الحال عند المتنبي ـ يشرع بالدخول في عالم النص عند نظمه إيّاه دخولًا إيقاعيًا، إذن فالإيقاع عنصرٌ مؤسِّسٌ يُبنى عليه النص الشعري،"وكم من شاعر وناقد أشار إلى أن القصيدة تبدأ، قبل أن توضع الكلمات على الورق، بالتكرار المُنغَّم لبعض الكلمات، أو بضربات الأصابع استجابة لداعي الإيقاع" (تهافت الستينيين: 98، وينظر: موسيقى الشعر عند شعراء أبوللو: 24) .
(2) العروض وإيقاع الشعر العربي ـ محاولة لإنتاج معرفة علمية: 109، وخصوصية الإيقاع الشعري في النقد الغربي: 108 و117.
(3) عن بناء القصيدة العربية الحديثة: 162.
(4) الوعي والفن: 64.
(5) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: 18، وينظر: بنية الإيقاع في الخطاب الشعري: 26.