جاريًا على اللسان، لا يتنافَى ولا يتنافر، كَأنه سبيكة مُفرغة، أو وَشْيٌ مُنَمْنَم، أو عِقْدٌ منظم من جَوهرٍ متشاكل" [1] ."
وقد اهتمَّ البلاغيون كثيرًا بما يُحقِّق المتعة الإيقاعية للأذن في سياق الشعر [2] ، فجميع فنون البديع اللفظي داخلة فيما يوفِّر الحركة الإيقاعية للنص الشعري [3] .
أمّا النقد الحديث فقد أصبح من مسلّماته أن"الملامح الصوتية التي تحدد الشعر قادرة على بناء طبقة جمالية مستقلة" [4] ، وهذه الطبقة الجمالية هي التي تحفِّز المتلقي لإدراك الأبعاد الدلالية التي تنضوي تحت حيوية الإيقاع وحركيته، فـ"معنى القصيدة إنما يثيره بناء الكلمات كأصوات أكثر مِمّا يثيره بناء الكلمات كمعان. وذلك التكثيف الذي نشعر به في أية قصيدة أصيلة، إنما هو حصيلة لبناء الأصوات" [5] ، والإيقاع بهذا الفهم نظام إشاري يسعى إلى الكشف عن البنية التحتية للنص، إلاّ أنه"أكثر النظم الإشارية في القصيدة تعقيدًا" [6] ؛ وذلك راجع إلى أن"مجال معالجة الكلمات كأصوات مجالٌ ضيق" [7] ، فالشاعر والمتلقي محكومان بالمعاني المعجمية التي تفرزها الكلمات نفسها، ومن ثم بالدلالة العامة للسياق المتولِّد عن تجاور هذه الكلمات وتلاقُحها فيما بينها لإنتاج دلالة النص؛ لذلك يبدو تحقيق الربط بين النظام الإيقاعي بوصفه نظامًا صوتيًا، والصوت كما هو معلوم مادة فيزيائية خارجية، وبين الدلالات أو الحالات النفسية التي يحملها النص أمرًا"في غاية الصعوبة، والآن لم تتقدم معرفتنا في هذا الطريق بخطى محكمة، ولكن معرفة المقدمات، أي الأشياء نفسها، ليست بهذه الصعوبة" [8] ، فالانتباه إلى الأداء الإيقاعي لنص ما قد يكون داخلًا في إمكانيات الأذن المدربة على ذلك، غير أن الربط بين هذا الأداء والمضامين الدلالية والنفسية لا يتحقق في كل حال دون أن يقع مُحاولُه في مهاوي التَّكلُّف.
(1) كتاب الصناعتين: 382.
(2) في سيمياء الشعر القديم ـ دراسة نظرية وتطبيقية: 31.
(3) تمهيد في النقد الحديث: 188.
(4) اللغة العليا: 116.
(5) الشعر والتجربة: 23.
(6) الإيقاع في شعر السياب: 34، والعروض وإيقاع الشعر العربي ـ محاولة لإنتاج معرفة علمية: 136، وينظر: بنية الإيقاع في الخطاب الشعري: 25.
(7) الشعر والتجربة: 27.
(8) حول وزن الشعر: 77، والمؤلف يُسمّي ذلك بـ (السر) ، ويلتمس العذر بأن"أي عالم في الدنيا ليس له اطلاع على هذا السر".