من اللغة، واسع البحر في مفرداتها، وحينما يكرر كلمة بعينها مرتين في قوافي القصيدة الواحدة دون فاصل يتألف من سبعة أبيات، فهو إنما يدلّ بذلك على ما يشبه العجز أو القصور في معجمه اللغوي.
أما الإكفاء الذي هو اختلاف حرف الروي في القصيدة الواحدة [1] ، فقد ظهر في الديوان في هذين البيتين [2] :
وَاسْتَامَنِي لِلْمُرْجِفِينَ دَرِيئَةً ... يَهْدِي إِلَيْهَا شَامِتًَا أَوْ مُغْرِضَا
حَتَّى إِذَا كَشَّفْتُ عَنْ غَدَرَاتِهِ ... قَالُوا تَقَلَّبَ نَاقِدًَا وَمُقَرِّظَا
إلا أن الدارس يستطيع باطمئنان أن ينسب هذا الخطأ إلى ناشري الديوان وليس إلى الشاعر، فربما توهموا أن التقريظ لا يكون إلاَّ بالظاء، ونظرة في المعجم تدفع هذا الوهم بجلاء، جاء في اللسان:"قرظ فلان فلانًا، وهما يتقارظان المدح، إذا مدح كل واحد منهما صاحبه، ومثله يتقارضان، بالضاد، وقد قرضه إذا مدحه أو ذمه، فالتقارظ في المدح والخير خاصة، والتقارض في الخير والشر" [3] ، فاللفظة إذن تحتمل وجهين من الكتابة ومن ثم القراءة، وكان الصحيح في ذلك أن يُطبع قوله (مقرظا) بالضاد (مقرضا) أي قادحًا، وبذلك يصح سياق البيت الذي يتحدث عن تكشيف العورات والنقد بالمعنى السلبي؛ لأنها تكون في الخير والشر على حد تعبير ابن منظور، أما كتابة الكلمة بالظاء فهي، إضافة إلى كونها توقع في عيب الإكفاء، تخلق حالة من التنافر والنشوز في دلالة البيت؛ لأنها لا تكون إلا في المدح خصوصًا، والسياق يضرب في واد غير ذلك.
وإذا سلمنا جدلًا بأن كلمة (التقارظ) لا تكون إلا بالظاء، فإن علماء الأصوات وأهل الاختصاص في هذا المجال قد أشاروا إلى أن نطق الظاء في العصر الحديث يضارع نطق الضاد في لهجة العراقيين والكويتيين بوجه خاص، أما التبادل بينهما في القديم فله واقع مؤكد [4] ، وذلك ما يسوغ وقوع الجواهري ـ إن كان قد وقع ـ في هذا الخلط بين الحرفين.
لقد ركّز البحث ـ فيما مضى من صفحات ـ جُهده على الجوانب الإيقاعية المندرجة في شقِّ الإيقاع الشعري الثابت، وسيحاول ـ فيما سيأتي من صفحات الفصل الثاني التركيز على الجوانب
(1) * وهو عيب يتعلق بالقصائد الموحدة الروي حصرًا.
(2) الديوان: 2/ 255.
(3) لسان العرب: 5/ 394.
(4) علم الأصوات: 299ـ300.