المذهب الكلامي:
لقد نص ابن المعتز في كتابه «البديع» على أن «المذهب الكلامي» لون من ألوان البديع الخمسة التي رصدها، مشيرًا إلى أن الجاحظ هو الذي سماه بهذا الاسم، «وهو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي» (24) .
وإذا كان ابن المعتز لا يعين المقصود بـ «المذهب الكلامي» ، فإن مراجعة نصوص الجاحظ المتصلة بقواعد الخطاب الإقناعي تكشف بجلاء ارتباط هذا المتصور بطريقة المتكلمين العقلية في الاحتجاج والجدل، والاحتيال للعلل والمعاذير، استمالة للسامع واجتذابًا لإصغائه، ومن ثم إيقاع التصديق في نفسه. يقول الجاحظ: «ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنه لولا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الأدلة معنى [ ... ] وللعقل في خلال ذلك مجال وللرأي تقلب. وتنشأ للخواطر أسباب وتتهيأ لصواب الرأي أبواب» (25) .
ولعله من الدال في هذا الشاهد، مما نحن منه بسبيل، استخدام الجاحظ لعبارة «استعمال المعرفة» ، التي يمكن أن تحمل على مبدأ «العمل بالعلم» ، كما يمكن أن تحمل على القصد إلى «استعمال» المعرفة أداة لتحقيق المقاصد المذهبية. وهو فرض ـ إن صح ـ يؤكد ارتباط «البلاغة» بـ «المذهب الكلامي» أشد ارتباط وأوثقه، خاصة عندما نلم بتحديدات هذا المقوم البلاغي في مواضعها من كتب البلاغة العربية، فقد ذكر الخطيب القزويني أن «المذهب الكلامي هو إيراد حجة المطلوب على طريقة أهل الكلام» . إن الربط الذي يقيمه القزويني في الشاهد بين «المذهب الكلامي» و «طريقة أهل الكلام» (26) ليفيد انشداد هذا المقوم البلاغي إلى المقاصد الإقناعية والمنازع الإيديولوجية. وهي النتيجة التي خلص إليها شكري المبخوت الذي أفرد فصلًا من كتابه «الاستدلال البلاغي» لفحص هذا المفهوم وسمه بـ «تحليل استدلالي لظاهرة بديعية» ، حيث انتهى الباحث من تتبع تعريف المفهوم وتاريخه إلى أنه «أسلوب من أساليب تركيب القول على نحو مناسب لمقتضى المحاجة؛ فهو يقوم على علاقة استدلالية تربط بين قول حجة وقول نتيجة تكون في الغالب ضمنية. والمهم كذلك أنه يدل على أن المقدمة (الحجة) موجهة لتغيير اعتقاد المخاطب بما أنها تقتضي مخاطبًا معاندًا يسعى إلى إلجامه بـ «الحجة الجامعة» (على حد تعبير الزركشي) وهذا السياق التخاطبي الحواري الذي تشير إليه بعض التعريفات يرسخ المذهب الكلامي في بعده الخطابي المحاجي» (27) .
اللفظ والمعنى:
لقد كان الجاحظ ــ فيما يبدو ــ أول من دشن النقاش في هذه القضية عندما أعلى من شأن اللفظ على حساب المعنى في نص له شهير قرر فيه أن «المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتمييز اللفظ، وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع، وجودة السبك» (28) .
وإذا كان الجاحظ المفكر المعتزلي المرموق لا يجد في نفسه حرجًا من الإعلاء من شأن اللفظ على حساب المعنى، مادام هذا الإعلاء لا يتعارض مع عقيدته الاعتزالية، فإن غريمه السني ابن قتيبة لم يكن ليسلّم بذلك ولو أراد، تمنعه من ذلك اعتبارات عقدية وتقديرات مذهبية ترى في إجراء المفاضلة بين اللفظ والمعنى تجاوزًا لمسألة الإعجاز القرآني، التي تقتضي مراعاة جانب اللفظ والمعنى، معًا، ولذلك وجدناه في مقدمة «الشعر والشعراء» يساوي بين اللفظ والمعنى (29) ، حيث جعل للفظ مزيته هو الآخر في البيان، كما اعترف له بحظه من الفصاحة والبلاغة. وعلى هذا الأساس قسم الشعر إلى أربعة أضرب (30) :
1/ ما حسن لفظه ومعناه.
2/ ما حسن لفظه دون معناه.
3/ ما حسن معناه دون لفظه.
4/ ما ساء وقبح في لفظه ومعناه.
وبهذا الإجراء في التسوية بين اللفظ والمعنى يكون ابن قتيبة قد رد على الجاحظ مذهبه في تقديم اللفظ على المعنى، محتكمًا في ذلك إلى الخلفية الإعجازية التي تجعل «أساس البلاغة» توافق اللفظ والمعنى وانسجامهما.
يتحصل من هذا التحليل أن مفكري السنة أرادوا إقامة بلاغة متوافقة مع منهجهم في فهم أصول العقيدة، ولذلك كان إنتاج هذه البلاغة يتم في تعارض مع بلاغة أخرى نقيض هي بلاغة الاعتزال، التي كانت تستند إلى أصول اعتزالية في فهم قضايا العقيدة والدين. هذا وستخضع قضية اللفظ والمعنى لتسوية مذهبية في فترة لاحقة ومتطورة من تاريخ الفكر السني ضمن التسوية التي عرفتها قضية خلق القرآن، التي كانت مثار خلاف حاد بين السنة والاعتزال. وقد حدث ذلك بالضبط عندما أنشئ علم الكلام السني على يد أبي الحسن الأشعري، الذي صاغ تصوراته الفكرية في ضوء مقررات الحنابلة بعد ردته الشهيرة عن فكر الاعتزال وانحيازه لعقيدة السنة (31) ، ولا ينبغي أن يعزب عن بالنا أن ابن قتيبة محسوب على الحنابلة (32) .
إذا كان تقديم الجاحظ للمعاني على الألفاظ، كما رأينا، لا يتعارض وعقيدته الاعتزالية التي تقول بخلق القرآن، وهو ما يتيح له أن يجعل، بمقتضى ذلك، الحروف والصياغة اللفظية بل وحتى المعاني كلها «حادثة» ، فإن الأشاعرة سيجدون في نظرية «الكلام النفسي» رأيًا وسطًا، أسعفهم في تجاوز الخلاف القائم بين من يجعل القرآن كله قديما، ومن يجعله كله حادثًا، ومؤدى نظرية «الكلام النفسي» في العقيدة الأشعرية أن المعاني (المدلولات) قديمة، لأنها قائمة بذات الله منذ القدم، أما الألفاظ (الدوال) ؛ أي الحروف المنظومة فحادثة.
نستبين من ذلك أن الاحتدام في النقاش بين السنة والاعتزال حول قضية اللفظ والمعنى في مظهره العام نقدي بلاغي، لكنه في جوهره فكري عقدي، باعثه المناقشات «الكلامية» التي دمغت الدراسات الإعجازية. ومن هنا رأى الجابري أن الدراسات الإعجازية هي المسؤولة عن توجيه قضايا البلاغة (ومنها قضية اللفظ والمعنى) وجهة «كلامية» ، إذ اعتبر أن «المتكلم الذي كان مشغولًا ببيان وجود إعجاز القرآن داخل الدائرة البيانية ولفائدتها، كان عليه أن يكون على معرفة بالأساليب البلاغية العربية متذوقًا لها، كما أن البلاغي والناقد الأدبي الذي كان مهتمًا بتحليل مظاهر البلاغة وآلياتها في الخطاب العربي، كان عليه أن يعتمد القرآن كسلطة مرجعية [ ... ] ومن هنا اتجهت المناقشات الكلامية في موضوع اللفظ والمعنى اتجاهًا بلاغيًا، واتجهت المناقشات البلاغية في الموضوع نفسه اتجاهًا كلاميًا. والنتيجة اصطباغ البحث البلاغي العربي بالصبغة الكلامية» (33) .