الصفحة 10 من 15

نسق الغايات:

لما كانت المفاهيم غير مفصولة عندنا عن طريقة إجرائها وتشغيلها، فإن ذلك يقتضينا في هذا المقام التنبيه إلى أن فصلنا في هذا البحث بين «نسق المفاهيم» و «نسق الغايات» إنما هو فصل إجرائي فرضته بواعث منهجية محضة، وإلا فإن النسقين معا يتفاعلان بطريقة جدلية تلازمية، حيث اختيار المفاهيم مرتهن بالضرورة إلى الشرائط التي يفرضها إنتاج الخطاب والمقاصد التي يروم بلوغها.

البلاغة الإعجازية:

لقد صدرت «القراءات» البلاغية الإعجازية عن قصدية إيديولوجية صريحة أساسها اعتقاد غير مشروط في تفوق أسلوب القرآن على سائر الإبداعات اللفظية التي أنتجها «العربي» . وقد راح المنظّرون لبلاغة الإعجاز انطلاقًا من هذا المعتقد الشريف يستقصون مواطن الإعجاز البلاغي، ومواضع التفوق الأسلوبي في خطاب النص القرآني بطريق مقابلته بجنس أدبي عتيد هو «الشعر» ، الذي ملك على البلاغيين العرب مشاعرهم فلم يستطيعوا الفكاك من بلاغته وسحره، حتى وهم يستشرفون نصًا «كريمًا» اعتبر قمة في «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» (34) . ذلك ما يستشعره قارئ أهم مصنف بلاغي هو «دلائل الإعجاز» المعتبر غرة كتب البلاغة العربية، فقد بسط عبد القاهر الجرجاني الأشعري المذهب في هذا الكتاب نظريته في «النظم» ، التي جاءت جوابًا حجاجيًا/ إيديولوجيًا على أسئلة الإعجاز القرآني التي كانت موضوع مناظرة ومحل منازعة بين أبناء العصر، حيث يحاور عبد القاهر ــ صراحة وضمنًا ــ أصحاب النظرة الاعتزالية مثل الجاحظ والجبائي والقاضي عبد الجبار، بل وأصحاب فكرة الصرفة مثل ابن سنان الخفاجي ليطرح ـ في النهاية ــ مفهومًا للإعجاز البلاغي يتساوق ومقصدية المؤلف المرتهنة إلى مقررات المذهب الأشعري، الذي يصدر عنه «تلقي» عبد القاهر لنص القرآن العظيم. وهذه المقررات المذهبية نفسها التي وجهت عبد القاهر إلى بلورة نظريته في «النظم» التي تجعل «الإعجاز» مختزلًا في «التعليق» بما هو علاقة بين معاني الألفاظ.

وبالجملة فإن القراءة الفاحصة لـ «دلائل الإعجاز» تكشف عن صراع أصولي عميق اتصل بين عبد القاهر الأشعري وخصومه من المعتزلة، فجاء الكتاب -لذلك- مطبوعًا بنبرة سجالية وحجاجية ظاهرة. وهو ما لحظه أحد الدارسين المعاصرين في سياق بحثه «الأصول الفكرية للبلاغة وإعجاز القرآن» فكتب يقول: «إن أثر الخصومة غالب على «دلائل الإعجاز» إلى حد يمكن معه أن يقال عنه إنه مناظرة حادة في النظم وإعجاز القرآن، اتصلت من بداية الكتاب إلى نهايته مع أولئك الذين جرى مؤلفه على نعتهم «بأنصار اللفظ» (35) .

إن صدور البلاغة الإعجازية عن مبدأ الأفضلية ـ وهو مبدأ إيديولوجي محض ـ هو المسؤول في تقديرنا عن توجهها السجالي والاحتجاجي في مستوى بنية الخطاب رغبة في تحقيق الإقناع والإذعان، مدخل أصحابها إلى ذلك إثبات التشابه بين القرآن وكلام العرب في مرحلة أولى، حتى إذا استقام لهم ذلك توجهوا، في خطوة ثانية، إلى إثبات إعجاز القرآن، وبالتالي أفضلية أسلوبه على الإبداعات اللفظية «البليغة» التي أنتجها «العربي» وعلى رأسها جنس الشعر. ولعل هذا يفسر لنا ذلك التوجه في الدرس البلاغي الإعجازي إلى المقارنة بين القرآن والشعر لإثبات أفضلية التعبير القرآني على ما يناظره في أشعار العرب، فقد وجدنا عبد القاهر الجرجاني يلوذ في «دلائل الإعجاز» - وهو الكتاب المرصود لبحث بلاغة القرآن- بجمالية الأسلوب الشعري، لإثبات تفوق الأسلوب القرآني مما دعاه أحد الدارسين المعاصرين «القراءة بالمماثلة» (36) . وهي الغاية نفسها التي وجهت الباقلاني إلى عقد تلك المقارنة الشهيرة في كتابه «إعجاز القرآن» بين القرآن وقصيدة معدودة في عيون الشعر العربي هي معلقة امرئ القيس الذائعة الصيت، فقد كان الغرض من المقارنة -بالأساس- بيان تهافت القصيدة لإثبات تفوق البلاغة القرآنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت