الصفحة 11 من 15

القدامة والحداثة:

لم تكن قضية الإعجاز الوجه الإيديولوجي الأوحد للخطاب البلاغي العربي، إذ نجد مشاغل أخرى في نظامنا البلاغي اصطبغت بالصبغة الإيديولوجية معلنة حينًا ومضمرة أخرى، وفي مقدمة هذه المشاغل تأتي قضية القدامة والحداثة. يقول عبد الله بن المعتز في مقدمة كتابه «البديع» : «قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين، من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبا نواس ومن تقيّلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه، ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه، وتفرع فيه وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف» (37) . ويقول أبو هلال العسكري في «الصناعتين» : «فهذه أنواع البديع التي ادعى من لا روية له ولا رواية عنده، أن المحدثين ابتكروها، وأن القدماء لم يعرفوها، وذلك لما أراد أن يفخم أمر المحدثين» (38) .

يثير هذان الشاهدان ـ كما لا يخفى على من شدا شيئًا من علوم البلاغة العربية ـ قضية حجاجية كبرى متصلة بالصراع بين أنصار القديم وأنصار المحدث، وهي قضية لا يمكن تجاهل خلفياتها الإيديولوجية، فهي إن اتخذت -في مستوى المعلن- صورة الصراع بين القدماء والمحدثين، فقد كانت تحجب -في مستوى المضمر- تعارضات إيديولوجية تمثلت في الصراع الطاحن بين الموالي والعرب أحيانًا، وبين تيار التقليد والتجديد في المجتمع العربي أحيانًا أخرى، بما يفيد أن الموجه الأساس لهذه المشاغل البلاغية إنما كان الداعي الإيديولوجي، وليس الهاجس النقدي أو البلاغي، فقد كان الاختلاف حول قيم الحداثة والتقليد خاصة وسمت شتى قطاعات المعرفة الشائعة في دار الإسلام في هذه المرحلة التاريخية من فلسفة ودين وشعر ونقد، لأن القضية مرتبطة ـ في أساسها ـ بتحول اجتماعي وحضاري فرض على الأطراف المتصارعة اتخاذ موقف محدد، معلن أو مضمر، إزاء القضايا الحاسمة والمصيرية التي كانت تواجه «الأمة» . وقد كان بدهيًا أن ترتهن المواقف ـ في هذه الحال ـ إلى الزاوية الإيديولوجية. ومن هنا ألفينا ابن المعتز يستقصي فنون البديع إلى جانب الشعر في القرآن واللغة وأحاديث الرسول (ص) وكلام الصحابة والأعراب رغم إحساسه بأن صور البديع خاصة بالشعر كما صرح في كتابه: «البديع موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم فأما العلماء باللغة والشعر القديم فلا يعرفون هذا الاسم» (39) .

إن بحث ابن المعتز عن «أصول» لفن البديع و «جذور» في التربة المحلية للتراث البياني العربي الخالص، إنما يجد تفسيره في السياقات التي كان كتاب ابن المعتز يشتبك معها في حومة الصراع الاجتماعي والاعتقادي، الذي بلغ ذروته في القرن الثالث للهجرة. وهي سياقات تصل الجانب الاجتماعي للشعوبية، بالجانب الاعتقادي للزنادقة من الأدباء المحدثين. ولعل هذا أن يفسر لنا تلك النزعة الدفاعية والتبريرية التي وسمت كتاب ابن المعتز. لقد أصبحت جدة «البديع» قرينة لـ «شبهة» الاتصال الفكري والأدبي بثقافة «الآخر» غير العربي، الذي يحاول فرض أنموذج حياتي من منظور اجتماعي شعوبي. وهو ما جعل «البديع» الذي ارتبط بـ «الموالي» قرينة انقطاع عن المتصل الديني والأدبي، ومن هنا وجدنا الجاحظ يعلن، في حماسة دفاعه عن «العروبة» ، أن «البديع مقصور على العرب ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كل لسان» (40) .

إن هذه النبرة الدفاعية عن العروبة واشية بالمقصدية الإيديولوجية التي وسمت الخطاب البلاغي العربي، الذي لم يستطع فصل متصوراته البلاغية عن المقاصد

الإيديولوجية كما أكد محمد النويري الذي انتهى في خاتمة أطروحته عن «علم الكلام والنظرية البلاغية عند العرب» إلى تبين عمق العلاقة القائمة بين النسقين: الكلامي والبلاغي. يقول: « ... لقد أمكن لنا أن نتبين إلى أي حد كانت المفاهيم البلاغية وأنحاء إجرائها محملة بهواجس العقيدة، فهي التي توجه الفكرة وترسم آفاقها حتى بدا لنا أحيانًا أن القاعدة البلاغية لم تنشأ إلا بغية فك الإشكال العقدي» (41) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت