حدود التأويل: مغامرة العقل وضوابط النقل:
إذا كان مفكرو السنة والاعتزال قد توافقوا على اصطناع «التأويل» أداة لتوضيح «المشكل» وتفسير «المتشابه» ، فإنهم تباينوا بعد في «المحتكمات» التي وجهت التأويل عند كل فريق، فقد احتكم المعتزلة إلى الدليل العقلي في تأول ما أشكل من الآي (42) . أما السنة فكان احتكامهم، في الأعم الأغلب، إلى الدليل النقلي، حيث حملوا النصوص على ظاهرها ودعموا تأويلاتهم بالمرويات المأثورة. وهو ما جعل فهمهم للقرآن أقرب لوجدان المسلم العادي من التأويلات «المتعقلة» التي أنتجها أصحاب الاعتزال، لأنها «أجدت على الحاسة الدينية أكثر مما أغنى التأويل المجازي الحاد عند العقليين» (43) .
وإن كان تدقيق النظر في هذه المسألة يسلمنا إلى أن المنهجية التأويلية عند الفريقين مرتهنة إلى نفس الضوابط والأصول، وإن اختلفت السبل بالفريقين بعد، فقد تحدد «التأويل» في الثقافة العربية الإسلامية ضرورة عملية يفرضها تطور الواقع وتعدد المجتمعات الإسلامية واختلافها. وهو وضع استتبع فتح النص أمام «فعل القراءة» ، بما يفيد التسليم بداهة بتعدد القراءات التي يمكن
أن تتعاقب على النص تبعًا للكفايات التي يتملكها «المؤول» والمقاصد التي يوجه إليها تأويله. يقول محمد النويري: «إن متشابه القرآن ومشكل الحديث كانا من الأسباب التي حملت المتكلمين من مختلف الفرق على أن يجدوا مخرجًا يخلص المقالة العقدية من المزالق التي يمكن أن تسقط فيها، فكان «المجاز» الإطار النظري والمنهج العملي الكفيل بأن يجنب المعتقد هوى الإشراك والتشبيه والتجسيد. وهكذا أصبح القول بالمجاز بالنسبة إلى المعتزلة والسنة على حد سواء جزءًا من الإيمان وخطوة في طريق النجاة» (44) .
وإذا كان التأويل عند أهل السنة مستندًا إلى «النقل» وعند المعتزلة خاضعًا لـ «العقل» فإن الممارسة التأويلية، في الحالين، «استنباط» يعتمد «الدراية» أو «الرأي» ما دام النشاط التأويلي عودة إلى أصل الشيء لاكتشاف دلالته ومغزاه. إذ «حقيقة قولنا «أولت وتأولت» أنك تطلب، والمآل: المرجع» (45) . إن التأويل، في المحصلة، سواء اعتمد «الرواية» أو «الدراية» حركة ذهنية موجهة بالعقل والرأي، إذ يظل عقل القارئ أو المؤول ذا دور أساسي في حركة التأويل» (46) .
وإذن، لا غنى عن التفكر وإعمال الذهن في كل نشاط تأويلي، بحثًا عن التعليلات والتخريجات في المواضع «المشكلة» حتى وإن اعتمد الرواية والنقل، وعلى هذا الصعيد تلتقي الممارسة التأويلية التي كان ينهجها المعتزلة بتلك التي كان يترسمها خصومهم من السنة.
لعل من طريف النتائج التي يمكن للباحث أن يستصفي من إمعان النظر في المدونتين
السنية (نموذج ابن قتيبة) والمعتزلية (نموذج الجاحظ) ، ارتهانهما ــ رغم اتصال الخصومة بين صاحبيهما، وهنا المفارقة ـ إلى نفس المبادئ الموجهة للتفكير والنظر: الحد من سلطة العقل مقابل سلطة النص الذي يكتمن في هذا السياق دلالات سيميائية موسعة (نص الدين والأدب والطبيعة والمجتمع) .
فإذا كان ابن قتيبة الفقيه السني موسومًا بـ «المحافظة» و «التقليد» لصدوره عن عقلية «نقلية» معتصمة بنصوص تعكف عليها تدبرًا وتأويلًا للاستدلال بها على حكمة الصانع واستخلاص «رسائله» إلى الخلق كما يمكن أن نستبين من «قراءة» ابن قتيبة للمتن المجازي في القرآن العظيم والحديث الشريف، القراءة التي بسطها في كتابيه «تأويل مشكل القرآن» و «تأويل مختلف الحديث» المثقلين بهموم اعتقادية واضحة، حيث يبدو ابن قتيبة في الكتابين معًا جانحًا إلى حمل النص الديني على الظاهر (47) ، إذ يجوز المعنى الحرفي عادلًا عن تفصيل القول فيه: «ونحن نسلم للحديث ونحمل الكتاب على ظاهره» ، فإن اجتهادات خصيمه الجاحظ المفكر المعتزلي الأشهر لم تكن بعيدة ـ كما قد يتوهم ـ عن هذه الطريقة في التفكير، وإن كان من اختلاف بين الممارستين السنية والاعتزالية فهو ضئيل لا يمس جوهر الفكر ومبادئه المرسمة، عند الفريقين، أصولًا في النظر والتفكير. إذ «من المعلوم الثابت ـ كما استخلص فرج بن رمضان ـ أن عقلانية الجاحظ إيمانية دينية من جهة، بيانية بالمعنى الجاحظي نفسه للبيان من جهة أخرى، وأنها بحكم هذه الصفة وتلك فإنها [ ... ] حدت من مجالات تدخل العقل وطرائق اشتغاله في شتى مجالات الفكر الديني والسياسي والاجتماعي وغيرها، ومن ثم فإن العقل الذي أريد له على أن يكون مرجعًا وحكمًا [ ... ] محكوم بمرجعية هي: الحق الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه وحث عليه، وبفعل هذه المرجعية نفسها، وبحكم ما حدت للعقل من حدود وما وضعت له من أدوار، اختزل العقل في مجرد كونه أداة للاستدلال والحجاج دفاعًًا وهجومًا، في طلب هدف استراتيجي واضح: تبيين الحقيقة المسلّم بها مسبقًا من طريق الإيمان، عبر الافتنان في قراءة شتى العلامات والآيات وشتى النصوص، وخاصة منها نص الدين ونص الطبيعة (الحيوان) ونص المجتمع الإنساني» (48) .
لقد تم اختزال العقل في الممارسة الاعتزالية إلى مجرد «أداة» تقرأ النص الديني وغير الديني قراءة بيانية لتبين «الحكمة» وتبيينها، لأن الحقيقة محددة سلفًا ومعلومة مسبقًا. وهو وضع اقتضى أن ينحصر دور العقل في الدلالة عليها والحجاج دونها (49) . وعلى هذا الصعيد يلتقي التصور الاعتزالي بتصور خصومهم من السنة، حيث العقل ـ بهذا الفهم ـ لا يختلف في الفهم السني عن «اللفظ» الذي يوصل إلى المعنى إلا في الدرجة، ما دامت الحقيقة معلومة، في الممارستين السنية والاعتزالية مسبقًا ومسلمًا بها سلفًا، فهي ثاوية في «النص» بمعناه السيميائي الواسع، وليس العقل سوى وسيلة من وسائل عدة (مثل اللفظ) يمكن من القبض على «المعنى» والدلالة على «الحكمة» عبر إخراجهما من الغيب إلى الشهادة ومن الغياب إلى الحضور.
إن عقلانية الجاحظ لما كانت إيمانية دينية وبيانية، كما نبه فرج بن رمضان، فقد شكل هذا الملمح في تفكيره باعثًا لتقارب جلي بين أطروحاته الاعتزالية ومقررات أهل السنة النازعة إلى النقل والتقليد. ذلك أن المعرفة ليست نتاج التعقل وإعمال النظر، كما زعم
الجاحظ، ولكنها، عند التحقيق، أداة لنصرة الدين ودعم المذهب ما دام المعنى، عنده، موجودًا ومحددًا سلفًا، ودور العقل، في هذا الحال، لا يزيد على استبانة «الحكمة» تأكيدًا للشرع وتعضيدًا للعقيدة، وبذلك «يكون الجاحظ قد استند إلى الشرع في استخلاص المعرفة وتفوقه على العقل من حيث أراد تفويق العقل عليه» (50) . (وإذن، المدلولات محددة سلفًا ومفضية إلى نفس المعنى: إظهار «الحكمة» . فماذا يبقى للمفكر سنيًا كان أو معتزليًا؟