الصفحة 13 من 15

لا نظن أن يبقى له، والحال ما وصفنا، سوى تسخير «العقل» لاستخلاص «الحكمة» واستنباط «المعرفة» المتجسدتين في: توحيد المدلولات تحقيقًا لـ «المعنى الأكبر» (الاستدلال على حكمة الخالق) . وهو معنى جاهز ومحدد ومعلوم سلفًا.

إن كلتا الذهنيتين، السنية والاعتزالية، ذهنية دينية، في الأساس، إيمانية وبيانية، وجهتها ـ وإن تفرقت السبل ـ واحدة: عقلنة الكون باستنباط «الحكمة» اعتمادًا على الشرع (النقل) ، وليس «العقل» سوى «أداة» وظيفتها الأساس استخلاص «المعنى» وتحقيق «الدلالة» بما يظهر «الحكمة» ويجنب العالم «اللامعنى» .

يتحصل مما تقدم أن السنة والمعتزلة ملتقيان، رغم اتصال الخصومة، في العقيدة والمنهج: كلاهما معتقد في الكون مجلى لـ «الحكمة» وموضعًا لـ «الاستبانة» ، ولا سبيل إلى تحصيل ذلك ما لم تتساند المعرفة الشرعية والمعرفة العقلية بما يفيد ارتفاع التعارض الظاهري بين العقل والنقل ــ الثنائية الشهيرة في تاريخ الفكر الإسلامي.

لأن التكليف الشرعي والتكليف العقلي ينتهيان، في المحصلة، إلى نفس النتيجة كما تفطّن إلى ذلك نصر حامد أبو زيد عندما قرر أنه: «إذا كان [ ... ] أهل السنة والجماعة يخالفون المعتزلة والفلاسفة في الترتيب المعرفي فيقدمون النقل على العقل، ويقدمون التكليف الشرعي على التكليف العقلي، فإن هذا الخلاف رغم أهميته من حيث مغزاه الاجتماعي والفكري، لم يؤد إلى تغاير في نظرة الجميع إلى اللغة، التي هي أساس التكليف الشرعي وأداته، بوصفها نظامًا دالًا في النسق المعرفي يرتبط بغيره من الأنظمة الدالة ولا ينفصل عنها، هكذا أكد المعتزلة الحاجة إلى الشرع على أساس أن الشريعة تشير إلى «مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر» (الشهرستاني، الملل والنحل 1/ 81) ولا تعارض في النهاية بين العقل والنقل، أو بين المعرفة العقلية والمعرفة الشرعية، إذ ليس في القرآن إلا ما يوافق العقل» (51) .

نستطيع أن نستخلص مما سلف أن «البلاغة» ارتبطت في نشأتها بالصراع بين الفرق الكلامية والأحزاب السياسية. فاصطبغت، لذلك، بألوان إيديولوجية ظاهرة كان من نتائجها ما حدث في الثقافة العربية من وصل بين دلالة البلاغة والإقناع، حتى غدًا «فن الإقناع» حدًا لها وعلامة عليها، نتيجة بدهية لارتباطها بالجدل السياسي والاعتقادي. ومن هنا نظر للبلاغة بوصفها فعالية حجاجية وإقناعية يقتدر بها على تحقيق المقاصد فأنيطت بها، من ثم، وظائف إيديولوجية تتصل بإيقاع التصديق في نفوس المتقبلين ابتداء، وحملهم، استتباعًا، على الاستجابة للمقاصد التي يصدر عنها منجزو الخطاب. يؤكد ذلك ويدعمه التلازم

المشهود بين «البلاغة» و «السلطة» ، فالعلاقة بين السيطرة (سياسية أو دينية) وفن البلاغة ثابتة معلومة منذ القدم، حيث البلاغة كافلة الإقناع. وإذا تحقق الإقناع أمكن التحكم في المخاطب وتوجيهه وفق إرادة «البليغ» . لكن متى تتحول البلاغة إلى إيديولوجيا؟

تصبح «البلاغة» إيديولوجيا عندما تتحول إلى أداة لخدمة غرض أو تحقيق مقصد فتسقط، بذلك، في «التبرير الإيديولوجي» . ويتخذ التحول من «البلاغي» إلى «الإيديولوجي» صورًا عدة، جميعها متصل بمنطق التبرير من أجل حيازة «السلطة» مادية كانت أو رمزية. ويحدث ذلك عندما يلوذ أصحاب السلطة والسلطان بسحر البلاغة من أجل المحافظة على الوضع القائم بطريق الترويج للأفكار السائدة، التي تقدم للمتقبلين بوصفها أفكارًا شمولية وشبه كونية، فتغدو المصالح الخاصة لفئة اجتماعية مسيطرة، وهي أقلية، مصالح عامة. كما يمكن لـ «البلاغة» أن تتلبس أردية إيديولوجية عندما يسخرها تيار فكري أو جماعة دينية، لخدمة أغراض مذهبية بما يبرر مشروعيتها ويسوغ سيطرتها الفكرية أو الاعتقادية. وإذن، ترتبط «البلاغة» بالإيديولوجيا عندما تنزع إلى التبرير الذي يرافق كل سلطة. ومن هنا كان التلازم بين «البلاغة» والسلطة سمة ثابتة في مختلف المحطات التي مر بها هذا العلم العتيق، سواء في التقليد العربي أو غيره من التقاليد البلاغية العريقة (اليونان والرومان) ، كما يوضح ذلك ويجليه تاريخ الأفكار من وجهة نظر سوسيولوجيا الثقافة التي تبرز، فيما يستخلص بول ريكور، أن «كل المجتمعات بدون استثناء تعمل بواسطة معايير وقواعد، وشبكة من الرموز الاجتماعية، التي تصنع بدورها بلاغتها وتلتمس بيانها من الخطاب

(السياسي) العمومي. وبالفعل كيف يتمكن هذا الخطاب من تحقيق هدفه، من إقناع الأفراد والتأثير فيهم؟ إن ذلك يتم بواسطة الاستعمال الدائم لمختلف أشكال التعبير المجازي كالاستعارة والنقد الساخر والإيهام والمفارقة والمبالغة. وهي ذاتها الأشكال الأسلوبية السائدة داخل النقد الأدبي والمعهودة في بلاغة الخطابة اليونانية والرومانية القديمة» (52) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت