الصفحة 8 من 15

نسق المفاهيم:

ننطلق في هذا المطلب من افتراض منهجي مؤداه أن «شبكة المفاهيم» المكونة لجدلية البلاغة لا تنبثق من فراغ، ولكنها تنشأ وتتخلق متشابكة مع المنظومات الفكرية والمشاريع الثقافية التي تتجادل معها سلبًا أو إيجابًا، فلا أحد ينفي أن البلاغة في التقليد الغربي إنما تحدرت من أصول قضائية وفلسفية بدءًا بالسفسطائيين وأفلاطون وصولًا إلى أرسطو. والأمر نفسه ينسحب على البلاغة في السياق العربي حيث تشكلت المشاريع البلاغية الكبرى متشابكة مع الإشكالات المعرفية والثقافية التي كانت تعتمل في قلب المجتمع العربي في الأدب والدين والسياسة والاجتماع.

من مشكاة المفاهيم البلاغية التي لم تقطع مع المنابت الإيديولوجية التي حفت إنتاجها وتلقيها:

ــ البيان، البديع، الفصاحة:

إذا نظرنا في الخطاب البلاغي العربي من زاوية المفاهيم البلاغية التي بلورها، وجدناها تنتظم في نسق أكبر تحكمه مقصدية إيديولوجية واضحة، فليس ثمة شك في أن اختيار المفاهيم وتشغيلها مرتهنان -بالضرورة- إلى مقاصد إنتاج الخطاب وشروط بنائه، كما أن هذه المقاصد ذاتها ليست مفصولة عن الإشكالات التي تسود المجتمع في مرحلة محددة من تاريخه السياسي والثقافي، فتخترق من ثم خطابات معرفية شتى بما فيها الخطاب البلاغي الذي تفاعلت داخله ــ في السياق العربي ــ المفاهيم والمقاصد بطريقة جدلية وفق منظور إبستيمي، تهيمن عليه قضايا كبرى ثلاثة؛ هي: قضية التدوين، وقضية إعجاز القرآن، ثم قضية القدامة والحداثة.

فقد ارتبط مفهوم «البيان» بالصراع بين أصحاب الملل والنحل، الذي كان محتدمًا في دار الإسلام. الأمر الذي ولّد حاجة ملحة إلى تملك أدوات الحجاج للإقناع بالمطالب المذهبية كما يمكن أن نستبين من كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ الذي لم يكن مجرد أديب وناقد وإنما كان قبل هذا وبعده «متكلمًا» ، والمتكلم ـ بما هو صاحب مقالة ورئيس نحلة ـ لا يعنيه الجانب الفني والجمالي في الخطاب، بقدر ما تعنيه فعالية الخطاب ونجاعته؛ أي الجوانب الاستدلالية في العملية البيانية، ومن هنا كان «البيان» ، عند الجاحظ، منظورًا إليه من زاوية وظيفته العملية والإنجازية؛ أي القدرة على التأثير في السامع لتعديل موقفه أو سلوكه من خلال المزاوجة في الخطاب بين الصنعة اللفظية والحجة العقلية.

إن عناية الجاحظ بـ «البيان» نابعة من عنايته بوظيفية الخطاب ونجاعته، حيث المدار على الغايات والمقاصد التي يرسمها المتكلم لخطابه، وهو فهم يسلمنا إلى أن حرص الجاحظ على «البيان» مرتهن إلى الوظيفة العملية والإنجازية التي ينيطها بالعملية البيانية ككل، حيث «المتكلم» عنده ناهض بوظيفة «بيانية» و «تبيينية» بطريق كشف قناع المعنى وتوضيحه للسامع، ومن أجل أن يتحقق «البيان» (= الإفهام) ينيط الجاحظ بالسامع وظيفة «التبين» (=الفهم) التي تقتضي التأمل في المعنى من أجل تفهمه، وهو جهد يجعل السامع شريكًا للمتكلم في الفضل، إذ بدونه لا تتحقق «المقاصد» التي يهفو إليها المتكلم، ولذلك أولى الجاحظ عناية خاصة للمستمع -المخاطب الذي أصبح محددًا أساسًا في العملية البيانية، «لأن مدار الأمر على البيان والتبيُّن، وعلى الإفهام والتفهم، وكلما كان اللسان أبين كان أحمد، كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد، والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل» (16) .

إن البيان عند الجاحظ ـ منظورًا إليه من زاوية وظيفته «الكلامية» ــ هو «سلطة» ـ تقدر «المتكلم» على التأثير في السامع لإيقاع التصديق وتحقيق المقاصد، ذلك أن «مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع» (17) .

أما مفهوم «البديع» فقد ارتبط بمقاصد إيديولوجية أخرى ولّدها صراع القوميات الطارئ على المجتمع الإسلامي الجديد، الذي استوجب الدفاع عن «اللسان العربي» أمام التيارات الشعوبية، فقد كانت غاية ابن المعتز من تأليف كتاب «البديع» ، كما صرح هو نفسه، الرد على دعاوى الشعوبية الذين زعموا أن البديع صناعة دخيلة اقتبسها المحدثون (وأغلبهم من الموالي) من بلاغة «يونان» . والكتاب بهذا الاعتبار دفاع عن أصالة البلاغة العربية في وجه منتقصيها وشانئيها من المفتونين بـ «بلاغة اليونان» . وقد بين ابن المعتز غرضه من تأليف الكتاب فأجمله في «تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع» (18) . وتلك دعوى تلطف ابن المعتز في إثباتها بسوق شواهد من «القرآن واللغة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين، من الكلام الذي سماه المحدثون «البديع» ، ليعلم أن بشارًا ومسلمًا ومن تقيّلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه» (19) . وبذلك يكون مصطلح «البديع» ، الذي اصطفاه ابن المعتز لوصف جماليات النص الشعري العربي غير مفصول عن ملابسات الصراع بين طريقة القدماء وطريقة المحدثين، الذي بلغ ذروته في القرن الثالث للهجرة (20) وطال مجالات الإبداع والسياسة والاعتقاد.

أما زوج الفصاحة والبلاغة فقد توزعته مقصدية إيديولوجية أساسًا تمثلت في الدفاع عن «الإعجاز القرآني» من خلال البحث في «دلائل إعجازه» و «أسرار بلاغته» . فالباقلاني ـ وهو من أبرز علماء البلاغة الإعجازية ـ لم يستطع تجاوز مقولة «الإعجاز» ؛ التي شكلت أسًّا أدار عليه كتابه «إعجاز القرآن» ؛ فانشغاله بإبراز تميز النص القرآني وتفوقه جعله لا يعتني من الأنواع الخطابية إلا بتلك التي تقترب في تكوينها البلاغي والأسلوبي من النص/ الأنموذج (القرآن العظيم) . ومن هنا كان قبول الأنواع الخطابية أو رفضها مرتهنًا عند الباقلاني إلى حظها من الفصاحة والبلاغة، ذلك ما نتبينه من العبارة التالية التي يوردها الباقلاني في معرض مرافعته عن فكرة تفوق النص القرآني على «الأصول» الثلاثة، التي قررها من قبل أجناسًا خطابية توافرت لها شرائط «القول البليغ» : «من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي [ ... ] فليس يخفى عليه إعجاز القرآن كما يميز جنس الخطب والرسائل والشعر» (21) .

إن تخصيص هذه الأجناس الثلاثة بالعناية إنما يرتد إلى اشتراكها في «التعمل» و «الصناعة» ، وبذلك تستقيم للباقلاني المقارنة بينها وبين القرآن ابتداء، ليخلص - انتهاء- إلى إثبات تفوق النص القرآني على هذه الأنواع جميعًا في مقاييس الفصاحة والبلاغة.

وإلى ذلك نصادف عند الباقلاني في المواضع التي يختصها بالحديث عن «إعجاز القرآن» وبلاغته ذكرًا لأقسام الخطاب غير الأصول الثلاثة، إما بشكل صريح أو ضمني يفهم من صيغ القول التي تستعمل للدلالة على أنواع أدبية مثل أخبر (الخبر) وضرب (المثل) وذكر (قصة) يوسف ...

ومما يسترعي انتباه الدارس أن أجناس الخطاب في القرآن، في ما يرصد الباقلاني، وفيرة تتوزع ما بين خبر ومثل وقصة وموعظة ... وهي أجناس لم يتضمنها تقسيم الباقلاني لأجناس الكلام العربي. وهو أمر يمكن أن يرتد إلى الخلفية الإعجازية التي حكمت هذا الباحث ووجهته لأن يعتبر جميع الأجناس الخطابية، التي تضمنها القرآن مستحقة للذكر والتنويه، لما حازت من فصاحة وما انطوت عليه من بلاغة. أما كلام العرب فلم تتوافر شروط البلاغة إلا لأجناس منه ثلاثة هي الشعر والرسائل والخطب. وقد استحقت، بمقتضى ذلك، الاعتراف بها أجناسًا أدبية. أما الأصناف الخطابية الأخرى مثل المحاورات والشعر القصصي فلم تتوافر له هذه الشروط فكان أن أسقطها الباقلاني من خطاطته التصنيفية.

لقد اعتمد الباقلاني «مقولة الإعجاز» عيارًا في الحكم على حظ الأنواع الأدبية من الفصاحة والبلاغة، يستند إليه في تحديد قيمتها «الأدبية» ، وبالتالي صلاحيتها للتداول من عدمه. وهو إجراء يجليه موقفه المعلن من جنس «القصة» الذي اتسم بازدواجية واضحة؛ فهذا الجنس يحظى عنده ـ من جهة ـ بالاعتراف والمقبولية عندما يرد في القرآن الكريم، إذ يعتبرها، في هذه الحال، نوعًا من الخطاب ساميًا، توافر له من شرائط البلاغة ما استحق معه أن يدرج ضمن الأنواع الخطابية الأخرى التي استوعبها النص القرآني مثل الموعظة والمثل والخبر، لكن موقف الباقلاني من هذا الجنس يختلف تمامًا عندما يرد ــ من جهة مقابلة ـ في الشعر، حيث يكون حظه من البلاغة، في زعمه، منعدمًا. ولذلك وجب إخراجه من دائرة الأغراض الشعرية المعترف بها مثل المدح والفخر والرثاء ...

وقد عبر الباقلاني عن هذا الموقف الرافض للقصة نوعًا خطابيًا في جنس الشعر، في معرض مفاضلته بين بلاغة السرد القصصي في النص القرآني والنص الشعري، حيث يقرر أن أي سورة من سور القرآن «تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها لم تستوف ما استوفته [ ... ] وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين، هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر القصص، إنك لتراه إذا جاء إلى وصف واقعة أو نقل خبر، عاميَّ الكلام سوقيَّ الخطاب، مسترسلًا في أمره متساهلًا في كلامه، عادلًا عن المألوف من طبعه» (22) .

وإذا كان من البدهي أن المقصديات الإيديولوجية لا تتنزل في «فراغ» ، وإنما تتنزل في مناخ سياسي وثقافي ترتهن إليه في صوغ المفاهيم وتحديد الغايات، فإن المناخ السياسي والثقافي الذي احتكمت إليه المشاريع البلاغية التي أطلقها أصحابها في دار الإسلام، لم يكن سوى حركة التدوين التي وجهت مختلف المواقف في الفكر العربي ومنه التفكير البلاغي، حتى إننا إذا قلنا إن المواقف إزاء مختلف الإشكالات تحددت في ضوء حركة التدوين لم نكن قد بعدنا (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت