الصفحة 7 من 15

سحر البيان: القول سلطان

إن الناظر في علاقة البلاغة بالإيديولوجيًا سيلحظ التباسًا وتعقيدًا يطبعان ــ من غير شك- هذه العلاقة، ذلك أن الإيديولوجيا تسخر البلاغة أداة حين تضطلع بدور تبريري ملازم لدورها القيادي -كما نبه إلى ذلك بول ريكور- وفي هذه الحال لا تعدو البلاغة أن تكون «تقنية» في يد الإيديولوجيا تصطنعها خدمة للمقاصد. وهي بذلك تمثل الجانب التبريري في الإيديولوجيا، ذلك أن الإيديولوجيات السياسية والاقتصادية جميعها صيغت بطرق استعارية (5) ، لكن تدقيق النظر في هذه المسألة من شأنه أن يقود الباحث لأن يستخلص أن البلاغة ــ من جهة مقابلة ــ خاصة عندما ترتبط بالمقاصد، كما هي متجسدة في مباحث الحجاج، عبارة عن خطاب عملي وظيفي وغائي مستند إلى خلفية إيديولوجية في عرض القناعات والتعبير عن المعتقدات. وبذلك تغدو البلاغة ضربًا من الإيديولوجيا: تحتج وتبرر، تستدل وتسوغ لحمل المخاطب على الإذعان وإن لم يحصل له اقتناع حقيقي، بما يؤشر إلى تغليب لـ «الغائية» والاحتكام لـ «القصدية» في سعي لتحويل «الرأي» إلى «عقيدة» .

إن البلاغة بوصفها فن الإقناع بالرأي ــ كما يعتقد كثيرون ــ لهي «الإيديولوجيا» عينها، إنها رؤية للكون وموقف من الوجود متى اعتنقناهما تحولنا من مجال الإقناع بـ «رأي من آراء» إلى الحمل على الإذعان لـ «عقيدة» تفرض فرضًا.

وبهذا الفهم تغدو البلاغة ممارسة خطابية تنقل «البلاغي» ، إذ يلتبس بـ «الإيديولوجي» ، من مجال الإمكان والاحتمال إلى مجال البداهة والمصادرة على المطلوب، لأن «الما صدق» ليس شرطًا في الحجاج الناجح كما هو مقرر عند علماء الحجاج ومنظّريه (6) . فالبلاغة ــ كما نص على ذلك التوحيدي ـ «تحق الحق وتبطل الباطل على ما يجب أن يكون الأمر عليه، ثم تحقيق الباطل وإبطال الحق لأغراض تأتلف، وأمور لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير وشر وإباء وإذعان وعدل وعدول وكفر وإيمان» (7) . ومن هنا كان المتكلم «لا يعد في المجادلين الحذاق حتى يكون ـ بحسن بديهته وجودة عارضته وحلاوة منطقه ـ قادرًا على تصوير الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق» (8) . صحيح أن الحق في المطلق واحد، ولكنه في تجلياته العملية نسبي، وفي هذا المستوى تظهر الحاجة إلى «البلاغة» ، بوصفها سياسة في القول مخصوصة، قادرة على قلب الحق إلى باطل والباطل إلى حق (9) .

ومن الواضح أن الحقائق لا تنقلب في أعيانها، ولكن في صورها اقتدارًا من البليغ وتمهرًا في فنون القول وسحر البيان، فكما أن السحر لا يغير من الواقع شيئًا وإنما الساحر يجري التغيير في عقول المستمعين، كذلك البليغ يستطيع بما يصطنع من إفصاح بالحجة ومبالغة في وضوح الدلالة من بلوغ أعلى مراتب التأثير العقلي والعاطفي في متلقيه، بما يكفل تحصيل المتكلم لمطلوبه في تكييف عاطفة السامع وتعديل اعتقاده على نحو يستجيب لمقاصده ومراميه.

المتفاعلات الإيديولوجية في البلاغة العربية:

إذا كنا نستخلص مما سبق تلازم «الإيديولوجي» و «البلاغي» فإن ذلك يدفعنا إلى التساؤل عن حال البلاغة في السياق العربي: هل ارتهنت هي الأخرى إلى المقصدية الإيديولوجية في تشييد الأنساق الناظمة لمشاريعها البلاغية المعتبرة؟ أم أن النظام البلاغي العربي بلور تصوراته بمعزل عن التأثيرات الإيديولوجية المختلفة؟

يحيل متصور «البلاغة» في السياق العربي على الإبانة والإبلاغ: الإبانة عن النفس وإبلاغ الرأي والمعتقد. لكن «البليغ» ، كما تحدد في نظامنا النقدي والبلاغي القديم، ليس من برع في الإعراب عما في خاطره، أو أحسن «الترجمة» عن نفسه فحسب، ولكن «البليغ» حقًّا من جمع ـ إلى ذلك ـ مقدرة على استمالة متلقيه، وإقناع مخاطبيه بالأهداف والمقاصد التي إليها قصد من إنشاء خطابه، مما أطلق عليه في المدونة البلاغية القديمة «سياسة البلاغة» التي هي أصعب من «البلاغة» فيما يروي الجاحظ عن سهل بن هارون (10) .

لقد أسلمنا نظرنا في الموروث البلاغي العربي -في حدود فهمنا وطاقتنا- إلى تسجيل ملحظ لا يخلو من أهمية؛ مؤداه هيمنة المقصدية الإيديولوجية على هذا الموروث. وهي هيمنة يمكن تلمس بعض مظاهرها في مستويين: يتصل الأول بـ «بنية الخطاب» ويخص الطريقة المعتمدة عند علمائنا القدامى في بسط المشاغل البلاغية التي استأثرت باهتمامهم. أما الثاني فمتعلق بـ «فحوى الخطاب» ويهم القضايا التي استأثرت باهتمام علماء البلاغة العربية المعتبرين.

إن فحص «بنية» الخطاب البلاغي العربي باعتبار «نسق المفاهيم» و «نسق الغايات» يكشف عن خطاب إيديولوجي صريح من طوابعه توجه سجالي يحاور الخصوم متحديًا، ويقيم الحجة ويطلبها، بما يجعل الخطاب البلاغي ـ في المحصلة ـ بنية حجاجية إيديولوجية عمادها الدفاع عن ملفوظ إزاء ملفوظات أخرى. لكن فصل البلاغة العربية عن أنظمة التفكير التي حاطت نشأتها أفضى إلى تغييب الملمح الإيديولوجي الذي وسم تشغيل المقولات البلاغية في السياق العربي. يقول محمد مفتاح: «بقيت البلاغة العربية في الدراسات القديمة والحديثة مفصولة عن النظام الفكري الذي نشأت فيه وترعرعت، فهي وثيقة الصلة بالمنطق والأصول والنحو وعلم الكلام. وعدم مراعاة التفاعل بين هذه الفروع المعرفية عاق المصلحين أن يكتشفوا الآليات العميقة التي تحكم النشاط الاستدلالي اللغوي القائمة عليه تلك الفروع» (11) .

يترتب عن التسليم بأن نشأة البيان العربي كانت في أصلها «كلامية» (12) نتيجة هامة مؤداها أن «فهم أو تفسير العملية البيانية لابد أن يستند إلى هذه النشأة، ولذلك فإن حاجة الفهم أو الإصلاح أو التجديد تضطرنا إلى التحقيق في مسائل كلامية وأصولية، ويترتب عن هذه الملاحظة المهمة أن حديث بعض الأدباء مفصولًا «يصبح أبتر ناقصًا لأن مناقشته [البيان العربي] الأولى كلامية» (13) .

فمن المعروف لعموم الدارسين أن العلوم المختلفة المكونة لدوحة البلاغة العربية الشريفة (والعلوم العربية عمومًا) ، إنما نشأت وتخلقت استجابة لغاية سامية هي التدبر في هندسة العبارة القرآنية «البليغة» ، لاستجلاء مظاهر «الإعجاز» فيها. ومن هذه القضية الإيديولوجية في أصل منشئها، والمتخذة كساءً معرفيًا في العرض والمناولة، تناسلت معظم الإشكالات الثقافية والحضارية التي شغلت العقل العربي «البياني» (14) طويلًا، فالتركيز على قضية الشعر الجاهلي إثباتًا ونفيًا، إنما كان باعتباره شاهدًا على «الإعجاز» (السراب الذي جرى خلفه الأشاعرة وتخفف منه بعض المعتزلة لقولهم بالصرفة) . ولم تكن قضايا مثل اللفظ والمعنى والفصاحة والبلاغة غير ستار بلوري يحجب صراعات سياسية حزبية، أو كلامية فلسفية مكتمنة لتناقضات وتعارضات بين المشتغلين في الحقل البلاغي -وكلهم صاحب نحلة أو منافح عن مذهب- حول فهم العالم وتفسير قضاياه. وفي ذلك ترجيح للفرضية القائلة إن الخطاب البلاغي العربي كان «ملكية مشاعة» بين المشتغلين بالحقل الثقافي العربي الإسلامي بشكل عام. وقد هيمنت عليه -لذلك- المقصدية الإيديولوجية، وهي الفرضية التي بها نأخذ وعنها نصدر في ما نستقبل من مباحث، انطلاقًا من تصور يرى أن «ما يسمى إيديولوجيا هو شكل من أشكال البلاغة» (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت