ولكن جرثومة الإرجاء الخبيثة التي كمنت في تراث الخلف خلافًا لما كان عليه السلف مع أهواء معاصرة فيما يسمى بالصحوة الإسلامية أعطت الفرصة لأجهزة القمع أن تطرح الصفقة على من يريد أن يعمل في الساحة الإسلامية وأن ينتشر دون تضييق الخناق منهم على أن يتحرك في نطاق المسموح وأن يتجنب القضايا الساخنة وأن يواجه الأصوليين (1) ويُبدّعهم ويُفسِّقهم ويحذِّر الناس منهم ويُشغِّب عليهم حتى يلتبس الحق بالباطل ويكتم الحق ولا يصل إلى الناس.
فرضَوا بهذه الصفقة واطمأنوا بها، وهذا من حرب الدين بالدين، وهذا دور أجهزة القمع في تفاهماتها مع الساحة الإسلامية استجابة لتوجيهات حكوماتها التي تستجيب بدورها لتوجيهات الغرب الصليبي ـ وهو ما يسمونه الآن بعد حرب الخليج "الشرعية الدولية" و"الخط الدولي" ـ بعد سقوط روسيا والكتلة الشرقية وخضوع دول العالم الثالث التي ترزح تحت التخلف والتبعية والديون والمجاعات. وإذعان أهل الإسلام وغياب صحوة الإسلام السياسية التي أثارها سيد قطب والمودودي والدكتور محمد محمد حسين وأمثالهم وبزوغ الإرجاء والعقلانية لهدم الأصولية بتحريف الكلم عن مواضعه. والخروج من كل أهداف ومواقف المواجهة مع العلمانية والتبعية للاستعمار الغربي الصليبي… وهكذا تسعى أوروبا وأمريكا أن تؤخر الوراثة الإسلامية للحضارة بديلًا عن الغرب المتداعي بالإيدز والإباحية والتصدّع الأخلاقي والاجتماعي بل والاقتصادي والسياسي إن لم يكن لأوروبا الآن فهو لأمريكا على الأقل رغم كل مظاهر القوة والجبروت.
ولهذا وبالرغم من كل هذه التحديات والمواجهات الصعبة التي تتهاوى لها الجبال لا مناص من الوقوف مع الحق وإن كرهَ الكافرون... وإنْ كره الكافرون… وإنْ كره الكافرون، واللهُ غالبٌ على أمره وسوف ينتصر الإسلام ويظهره الله على الدين كله ولو كره المشركون.
(1) كما يُسَمُّونَهم.