والنهي لا يتحقق إلاَّ بالاجتناب والاجتناب لا يتحقق إلا بالترك وليس بالتزام الترك أو البراءة من الشرك.
الفرق بين الشرك والمعاصي:
وفي "صحيح البخاري" (1) ، "باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يُكفّر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك" لقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم: «إنَّك امرؤ فيك جاهلية» ، وقول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } (2) .
وفي تفسير القسطلاني: "ولا يَكْفُر" بفتح الياء وسكون الكاف. "ولا يُكَفَّر" بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الفاء المفتوحة "صاحبها بارتكابها" أي لا يُنسب إلى الكفر باكتساب المعاصي والإتيان بها "إلا بالشرك" أي بارتكابه، خلافًا للخوارج القائلين بتكفيره بالكبيرة، والمعتزلة القائلين أنه لا مؤمن ولا كافر واحترز بالارتكاب عن الاعتقاد، فلو اعتقد حل حرام معلوم من الدين بالضرورة كفر قطعًا، ثم استدل المؤلف لما ذكر فقال لقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم: «إنَّك امرؤ فيك جاهلية» أي أنك في تعييره على خلق من أخلاق الجاهلية ولست جاهليًا محضًا وقول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه } ِ أي يكفر به ولو بتكذيب نبيه لأن من جحد نبوة الرسول مثلًا فهو كافر ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فصير ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة، فمن مات على التوحيد غير مخلد في النار، وإنْ ارتكب من الكبائر غير الشرك ما عساه أن يرتكب. أهـ.
وواضح هنا بجلاء أن المسلم لا يكفر بارتكاب المعصية، ويكفر باعتقاد حل المحرم ويكفر بارتكاب الشرك دون اعتقاد حله، والشرك رأس المحرمات والشاهد اختلاف أحكام الشرك عن المعاصي.
(1) صحيح البخاري، ج1، ص 106.
(2) النساء، آية: 48.