فالإتيان يتفاوت ويتفاضل والترك يتماثل والتفاضل إذا وقع في الترك إنما هو في الباعث لا في نفس الترك، ولذلك حدد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر بالترك، ولذا فهذه الموجبة موجبة: "من مات لا يشرك بالله شيئًا" متحققة في الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من المقربين والأبرار وأصحاب اليمين وأهل الوعد والوعيد، والجهنميين عتقاء الرحمن أصحاب الخواتيم ممن لم يعملوا خيرًا قط زيادة على التوحيد، وهذا التحقق وإن لم يكن منفصلًا متميزًا عن غيره من العمل في حق كل هذه الفئات إلاَّ أنه ينفصل ويتميز في حق فئة منها وهي فئة الجهنميين أصحاب الخواتيم عتقاء الرحمن لأنهم ليس لهم عمل غير التوحيد أو ترك الشرك، فالكل متفق في هذه الموجبة إذ ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل، وليس وراء ترك الشرك إلا الكفر المخرج من الملة { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (1) متفاوتون متفاضلون فيما زاد على ذلك، وفي الحديث «ثم تأتي هذه الأمة ممن يعبد الله من برٍّ أو فاجر» .
وإذا قيل هذا نفيٌ فأين الإثبات؟ نقول: إن ترك الشرك الأعظم لا يمكن أن يتحقق إلا بما ينفي الشرك من التوحيد وهذا أمر وضحه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء وسيأتي بيان هذا، ووضحه توضيحًا مشهودًا جليًا الإمام عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في شروط لا إله إلا الله، فلابد من أقل قدر من العلم ينفي الجهالة، وأقل قدر من اليقين يكفي لنفي الشك، وأقل قدر من الإخلاص يكفي لنفي الشرك، وأقل قدر من الصدق يكفي لنفي النفاق، وأقل قدر من الانقياد يكفي لنفي الترك، وأقل قدر من القبول يكفي لنفي الرد، وأقل قدر من المحبة يكفي لنفي ما يضادها من المحادة والمشاقة والمعاداة.
(1) آل عمران، آية: 80. ...