و أشهد لهذا القسيس الشاب أنه كان مخلصًا لدعوته متحمسًا غاية التحمس، و كنت كلما قلت له أن هذا يخالف العقل، يقول لي إن العقل ناقص وكلام الله كامل و الله يعلم ما لا نعلم.
وزرته مرة في إرساليته قبل أن يصلني الكتاب فوجدته لا يأكل اللحم لا في الخلوة ولا أمام الناس، فكان يأمر طباخه أن يصنع له طعامًا نباتيًا و يصنع لزوجته و ابنه أطعمة باللحوم، فقلت له في ذلك، فقال لي: إن هؤلاء الوثنيين الذين أدعوهم إلى الدخول في النصرانية يكرهون أكل اللحوم كراهة شديدة فأنا أتألفهم، وقد تركت أكل اللحم لأجل المسيح، فقلت له: ولكنهم لا يرونك في دارك، فقال: ولكن لا أستطيع أن أكذبهم فأدعي أني لا آكل اللحم و أنا آكله.
و لذلك أثّرت دعوته فيهم فرأيت معه ثلاثين رجلًا بنسائهم و أطفالهم يأتمرون بأمره، أمرهم أن يبنوا بيعة فبنوها بأيديهم مع شدة فقرهم بخلاف ذلك القسيس الذي كان يعلمني الانكليزية في مدينة الكناو، فإنه لم يؤمن له أحد لأنه هو نفسه لم يكن مؤمنًا و الإخلاص سر النجاح ولو في الباطل.
[دفع شبهة ثانية من شبه النصارى]
و من جملة ما يغالط به دعاة النصرانية في هذا الزمان أنهم يقولون لشبان المسلمين الأغمار أن القرآن ضمن لنا النصر و العزة، ففي سورة آل عمران -55 - {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} .
فقد أخبرني شاب مغربي أن قسيسًا في الرباط عنده غرف مؤثثة يسكن فيها الشبان المغاربة مجانا ليجذبهم إليه ويفتنهم في دينهم وقد قال لهم: إذا رأيتم النصارى أعزة أغنياء أقوياء سعداء غالبين في كل مكان فلا تستغربوا ذلك فان القرآن وعدهم بذلك، وذكر لهم الآية السابقة الذكر، فصدقوه، ولم يوجد فيهم أحد يعرف معنى الآية. فقلت له: لقد كذبكم وخدعكم فلو كان الأمر كما يقول لانتصر النصارى من أهل نجران، وكان عندهم مائة