فقال لي: هذا شأنكم يمنعكم التعصب عن قراءة التوراة و الإنجيل، و أما أنا فإن القرآن عندي بثلاث لغات، فقلت له: أما الإنجيل بالعربية فلغته ركيكة لا تفهم، و أما بالانكليزية فأنا أدرسها لأقرأه بها.
فقال لي: عدني أن تقرأه و أنا أطلب لك نسخة من لندن تصلك بعد شهر.
فوعدته، فلما وصلته النسخة كتب إليّ معها كتابًا بالانكليزية جاء فيه:"أسأل الله أن يعطيك في هذا الكتاب بركات كثيرة"، فأخذت في قراءته، و استخرجت الكلمات التي لم أفهمها من المعاجم ثم قرأته المرة الثالثة، و ذكرت تلك المسائل في جزء سميته (حواش شتى على إنجيل متى) ، ونشرت هذا الجزء في مجلة الشبان المسلمين التي تصدر في البصرة كان يصدرها صديقًا الحاج طه الفياض رحمة الله عليه، و لما أخبرت بهذه الحواشي الأمير شكيب أرسلان رحمه الله سألني عنها، فقلت: ضاعت في المطبعة فتأسف كثيرًا على ضياعها و أنا الآن مستعد أن أُؤَلِّف حواشي مثلها أو أحسن منها، ولكن الكثير من إخواننا المسلمين لا يهتمون بالدفاع عن دينهم ولا يعينون من أراد أن يدافع عنه بل يخذلونه، ففي مثلهم ينشد:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات و وحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة و من إساءة أهل السوء إحسانا
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانًا و ركبانا
ولما وصلني الكتاب أجبت (سميث) بالشكر، فلما قرأته و فهمت معناه كتبت إليه كتابًا آخر و قلت له فيه:"إن الله قد استجاب دعاءك و أعطاني في هذا الكتاب بركات كثيرة، و لكنها تخالف ما عندك و تبطله، فقد قلت لي في أثناء المناظرة كذا وكذا، و وجدت في الكتاب في الفصل الفلاني برقم كذا و كذا أن ما قلت غير صحيح، و أن الإنجيل يدل كما يدل القرآن على توحيد الله تعالى و بشرية عيسى و عبوديته دلالة في غاية الوضوح في مواضع كثيرة"عددت له منها سبعة فكان ذلك آخر العهد به.