ففكرت قليلًا ثم قلت بإلهام من الله تعالى: قبل أن نجيب عن هذا الاعتراض يجب علينا أن نفكر في الخصومة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين النصارى، و في أي شيء كانت؟
فقال لي: قل أنت.
فقلت: كانت في عيسى ابن مريم، فإن نصارى نجران جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم و اتهموه بأنه تنقص صاحبهم، فقال: و من صاحبكم، قالوا عيسى ابن مريم، قال و ما تنقصي له؟ قالوا نفيت أن يكون ابن الله وقلت أنه بشر كسائر البشر فناظرهم في ذلك و أقام عليهم الحجة فعاندوا و أنزل الله تعالى في شأن عيسى في سورة آل عمران -59 و 60 - {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (*) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
فلما أصروا على العناد و زعموا أنه ابن الله و أنه ثالث ثلاثة أمره الله بمباهلتهم [1] ، فلما خرج لمباهلتهم خافوا أن يباهلوه و تصالحوا معه، ففي هذه الخصومة قال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} وقصة مجيء وفد نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم و صلاتهم النصرانية في مسجده بإذن منه عليه الصلاة و السلام مذكورة في كتب الحديث و كتب السير [2] .
فقال (سميث) : و لكن الأناجيل تدل على أنه ابن الله و أنه ثالث ثلاثة.
فقلت له: أنا ما قرأت الإنجيل و لكني أعتقد جازمًا أن الإنجيل حق و أنه من الله [3] ، و ما كان من الله لا يختلف فلا بد أن يكون موافقًا للقرآن في توحيد الله، و عبودية عيسى ابن مريم.
(1) المباهلة:"هي أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء مصطحبين أبناءهم ونساءهم فيدعون الله ـ تعالى ـ أن يحل لعنته وعقوبته بالكاذب من الفريقين".
(2) قصة قدوم وفد نصارى نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومناقشته لهم، و دعوته إياهم للمباهلة صحيحة أصلها في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث، أما سماح النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالصلاة في مسجده فلا تصح و الله أعلم.
(3) يعني في الأصل أن الإنجيل من الله عز وجل قبل أن يدخله التحريف و التزييف، و إن هذا الكتاب مهما ما دخل عليه الكثير من التزييف فإنه فيه بقية باقية، وهذا كذلك في التوراة كما في استخراج النبي صلى الله عليه وسلم حكم الرجم للزاني المحصن من توراة اليهود.