الدليل الأول: أن الإنجيل يشهد بأن عيسى كان معروفًا عندهم، و كان يخطب في المسجد الأقصى الذي كانوا يسمونه بهيكل سليمان، فلا حاجة أن يستأجر اليهود من يدلهم عليه بثلاثين درهمًا.
الدليل الثاني: أنهم حكوا أن التلميذ الثاني عشر يهوذا (الاسخريوطي) أخذ من اليهود ثلاثين درهمًا على أن يدلهم عليه، فلما دلهم عليه وقضوا عليه رد لهم الدراهم و ندم وتبرأ من عملهم و خنق نفسه، كل هذا وقع في أقل من أربع وعشرين ساعة، وفيه متناقضات لا تخفى.
الدليل الثالث: و هو أعظمها، بل هو وحده كاف في بطلان هذه القصة، و ذلك أنه عندما حكم عليه اليهود بالقتل و أرادوا موافقة الحاكم - بيلاطس - و بعثوه إليه، ففي الفصل -27 - من إنجيل متى رقم -11 - أن الحاكم سأله فقال له هل أنت ملك اليهود؟ فقال له أنت تقول، و لما اشتكاه رؤساء اليهود و رجال الدين عندهم بأنه كفر، و قال في الدين ما استوجب به القتل، سأله - بيلاطس - ألا تسمع إلى ما يقولون و ما يشهدون به عليك فأبى أن يتكلم أو ينطق و لو بكلمة واحدة.
فسيؤل ذلك النصارى على أنه كان يريد الصلب لأجل فداء الناس و مغفرة ذنوبهم إذن فلماذا سأل الله أن يصرف عنه تلك الكأس يعني القتل؟ و لماذا صاح و هو على الصليب يا إلهي لماذا غدرتني؟ كيف يسكت عن بيان الحق ولو لم تكن فيه تبرئة نفسه و أتباعه و تبرئة الحق وهو الفصيح اللسان الذي كان يخطب الخطب الطويلة و يملؤها تقريعًا و توبيخًا لعلماء اليهود، لا يستطيع عاقل أن يصدق ذلك، و إذا بطلت قصة الصلب و الفداء انهدم جميع ما يبني عليه النصارى عقيدتهم من الأساس [1] .
(1) ، سيأتي في آخر الرسالة إلزامات أخرى قوية في إبطال هذه الخرافة، وقد أحببت إضافة هذه الأبيات للإمام ابن القيم: ... .
أَعُبَّادَ المَسِيحِ لَنَا سُؤَالٌ ... نُرِيدُ جَوَابَهُ مَّمِنْ وَعَاهُ
إذا ماتَ الإِلهُ بِصُنْع قومٍ ... أمَاتُوهُ فَما هذَا الإِلهُ؟
وَهَلْ أرضاه ما نَالُوهُ مِنْهُ؟ ... فبُشْرَاهمْ إذا نالُوا رِضَاهُ
وَإِنْ سَخِطَ الّذِى فَعَلُوهُ فيه ... فَقُوَّتُهُمْ إِذًا أوْهَتْ قُوَاهُ
وَهَلْ بَقِى الوُجُودُ بِلاَ إِلهٍ ... سَمِيعٍ يَسْتَجِيبُ لَمِنْ دَعَاهُ؟
وَهَلْ خَلَتِ الطِّبَاقُ السَّبْعُ ... لَمّا ثَوَى تَحتَ التُّرَابِ، وَقَدْ عَلاَهُ
وَهَلْ خَلَتِ الْعَوَالُمِ مِن إِلهٍ ... يُدَبِّرهَا، وَقَدْ سُمِرَتْ يَدَاهُ؟
وَكَيْفَ تَخَلْتِ الأَمْلاَكُ عَنْهُ ... بِنَصْرِهِمُ، وَقَدْ سَمِعُوا بُكاهُ؟ =
= وكيف أطاقت الخشبات ... حمل الإله الحق مشدودا قفاه؟
وَكيْفَ دَنَا الحَدِيدُ إِلَيْهِ ... حَتَّى يُخَالِطَهُ، وَيَلْحَقَهُ أذَاهُ؟
وَكيْفَ تَمكْنَتْ أَيْدِى عِدَاهُ ... وَطَالتْ حَيْثُ قَدْ صَفَعُوا قَفَاهُ؟
وَهَلْ عَادَ المَسِيحُ إِلَى ... حَيَاةٍ أَمَ المُحْيى لَهُ رَب سِوَاهُ؟
وَيَا عَجَبًا لِقَبْرٍ ضَمَّ رَبا ... وَأَعْجَبُ مِنْهُ بَطْنٌ قَدْ حَوَاهُ
أَقَامَ هُنَاكَ تِسْعًا مِنْ شُهُورٍ ... لَدَى الظُّلُمَاتِ مِنْ حَيْضٍ غِذَاهُ
وَشَقَّ الْفَرْجَ مَوْلُودًا صَغِيرًا ... ضَعِيفًا، فَاتِحًا لِلثَّدْى فَاهُ
وَيَاكُلُ، ثمَّ يَشْرَبُ، ثمَّ يَاتِى ... بِلاَزِمِ ذَاكَ، هَلْ هذَا إِلهُ؟
تَعَالَى اللهُ عَنْ إِفْكِ النَّصَارَى ... سَيُسأَلُ كُلَّهُمْ عَمَّا افْترَاهُ
أَعُبَّادَ الصَّلِيبِ، لأَى مَعْنِّى ... يُعَظمُ أوْ يُقَبَّحُ مَنْ رَمَاهُ؟
وَهَلْ تَقْضِى العقولُ بِغَيْرِ كَسْرٍ ... وَإحْرَاقٍ لَهُ، وَلَمِنْ بَغَاهُ؟
إِذَا رَكِبَ الإِلهُ عَلَيْهِ كُرْهًا ... وَقَدْ شُدَّتْ لِتَسْمِيرٍ يَدَاهُ
يُهَانُ عَلَيْهِ رَبُّ الْخَلقِ طُرا ... وتَعْبُدُهُ؟ فَإِنّكَ مِنْ عِدَاهُ
فإِنْ عَظِّمْتَهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ قَدْ ... حَوَى رَبَّ العِبَادِ، وَقَدْ عَلاَهُ
وَقَدْ فُقِدَ الصَّلِيبُ، فإِنْ رَأَيْنَا ... لَهُ شَكْلًا تَذَكَّرْنَا سَنَاهُ
فَهَلاّ للقبورِ سَجَدْتَ طُرا ... لَضِّم القبرِ رَبّكَ في حَشَاهُ؟
فَيَا عَبْدَ المِسيحِ أَفِقْ، ... فَهَذَا بِدَايَتُهُ، وَهذَا مُنْتَهاهُ