فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 1145

على أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام -، وهو صفةٌ مُنافيةٌ للسكوتِ والآفةِ، وقد تكلَّم به آمرًا وناهيًا ومخبرًا، وهذه الحروف المؤلَّفةُ، والعباراتُ المرتَّبةُ دالَّاتٌ على كلامِه القديمِ لا عينِه، والكلامُ غير الحروفِ والعباراتِ، ولهذا لم يتبدلها عند تبدل الألسن؛ فإن الحروفَ والعباراتِ تختلف باختلاف الألسنِ إذا عبر بالكلِّ عن كلامٍ واحد، ويكون حروف كل

لسان المؤلف منها - عند الدلالة على عين ذلك الكلام - غير الحروف بإنسان آخر؛ كقولك: (قُلْ) ، (بكوو) ، الذي دلّت عليه أحدهما من الكلام عينُ ما دلَّت عليه الأخرى دلالة تلازم الكلام؛ بحيث لا ينفكُّ عنه حتى يوجد ذلك الكلام حيثما وجدت تلك العباراتُ، ولهذا جوَّز أبو حنيفة رضي الله عنه قراءة القرآن بالفارسية، فيكون كاتبُ العبارات كاتبَ الكلام، وتاليها تاليّه، وحافظُها حافظَه، ولذا قلنا: إن القرآن مكتوبٌ في مصاحفنا، مقروءٌ بألسنتنا، محفوظٌ في قلوبنا، كلامُه قديمٌ، وحروفُه محدثة.

فإن قيل: كلام الله تعالي لو كان قديمًا، لكان الله تعالي آمرًا ناهيًا في الأزل للمعدوم، فيكون سَفَهًا.

يقال: الأمر والنهي للمعدوم؛ ليجب عليه الإقدامُ على المأمور به والانتهاء عن المنهي عنه للحال، سَفَهٌ، لكن ليجبَ الإقدامُ على المأمور به عند وجود المأمور وأهليته، والانتهاء كذا، حكمة بالغة.

ولو قيل: إن الله تعالى أخبر عن أمور ماضية، كقول: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ) [يوسف: 58] ، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) [البقرة: 126] ، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى) [البقرة: 54] ، فلو كان إخبارُه عنها سابقًا عليها، لكان الإخبارُ عنها قبل وجودها كذبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت